رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

أصحاب الحيلة

5 مايو 2019
محمد صلاح أحمد

-هل عانيت قبل ذلك من التعامل مع بعض الناس؟

= نعم.
- هل استطعت تحقيق ما تريده خلال تعاملاتك؟
= أحيانا.
-هل لجأت إلى الحيلة فى التعامل مع الناس لتحقيق ما تريد؟
إذا كانت الإجابة بـ"لا" فربما تكون ممن لايجيدون استخدام الحيلة وليس لديك خبرة فى التعامل بها، أما إذا كانت الإجابة بـ"نعم" فأنت تتمتع بقدر من الذكاء فى التعامل مع الناس لتحقيق ما تريده، لكن هل يجب أن نستخدم الحيلة دائما فى تعاملاتنا مع الآخرين؟.. الإجابة تكون حسب الإصرار على تنفيذ الغرض من التعامل مع الناس وحسب قدرة الشخص على اللجوء للحيلة وخبرته فى التعامل بها.


التعامل مع الناس صعب لوجود اختلافات بينهم فى الثقافة والعادات وطرق التفكيرلكن بعض المواقف تتطلب استخدام الحيلة لتحقيق ما نريد، لكن ما هى الحيلة؟
الحيلة هى القدرة على التّصرّف في الأمور، وهى استخدام المكر والخداع لبلوغ هدفٍ ما،وهى استخدام الذكاء فى التعامل مع الناس، وأعيته الحِيلةُ: أى لم يجدْ سبيلاً للخروج من المأزق الذي هو فيه، وفقَد كُلَّ حِيلة:  لم يعرف ما يفعله، ويقال ما الحيلة؟ أى ما العمل؟، وما باليد حيلة: لا يمكن عمل شيء، وواسع الحيلة: خبيث، بارع في الخروج من المآزق، ماهر في تدبُّر أموره ويقال عمن اعتاد وبرع فى استخدام الحيلة إنه ذو دهاء (داهية).


قال ديستوفسكى الروائي والفيلسوف الروسي: ينبغى على الإنسان أن يكون شديد الدهاء مع الخبيثين، ومن الأمثلة على ذلك تلك المرأة التى تسيء التعامل مع كل الناس وكانت تزعج مستأجر شقة فى عمارتها كى يتركها لدرجة أنها كانت تؤجر مجموعة من النساء المبتذلات ليقفن أسفل نافذته من آن لآخر لسبه، والمستأجر كان عديم الحيلة وحاول كثيرا كف أذاها دون فائدة، فقرر اللجوء إلى أصدقائه لمساعدته على التخلص من هذه المشكلة دون ترك الشقة.


وقام أحد أصدقائه من ذوى الحيلة باللجوء إلى جار له للتوسط فى لقاء مع السيدة، وفى الميعاد ذهب إليها المستأجر والصديق والجار، وبمجرد جلوسهم وجد صديق الرجل أن السيدة غليظة الطبع فتذكر المثل الصينى: الذكي من تكلم ببطء وفكر بسرعة وقرر استخدام مخزون ذكائه ليجد حلا للمشكلة وفى لمح البصر- بعد التعارف- قرر أن يتعامل معها بطريقة لم تجربها من قبل والتفت إلى المستأجر ونهره قائلا: لقد نقلت لنا صورة خاطئة عن هذه السيدة الكريمة، لقد استقبلتنا أحسن استقبال ومن الواضح أنها تفهم فى الأصول، ثم نظر إلى السيدة فوجد ابتسامة خفية على وجهها واستحسانا لكلامه فزاد من احترامه للسيدة التى ربما كانت تسمع هذا الكلام عنها لأول مرة فى حياتها، وانتهت الجلسة بالصلح بين السيدة والمستأجر وتعهدت بعدم التعرض له أو مضايقته بعد ذلك.


وقال نابليون بونابرت: أعرف حين اللزوم أن أهجر جلد الأسد لألبس جلد الثعلب وهو ما قام به أحد أصحاب الحيل عندما اشتكت إليه إحدى قريباته بأنها وضعت مبلغا من المال عند أحد التجار ليقوم بتوظيفه ويعطيها أرباحا كل شهر، وفى البداية كان يعطيها ربحا وفيرا لكن بعد عدة أشهر تناقص الربح وتباعدت الأشهر وعندما سألت عن السبب تحجج لها التاجر بأن التجارة لا تسير كالسابق فطلبت منه أن يعيد إليها مالها لكنه تعلل بأنه اشترى بضاعة بالمال وفور بيعها سيعطيها أصل المال وربحه، وماطلها كثيرا.


ووضع هذا الرجل -صاحب الحيلة- خطة محكمة لتسترد  مالها، واتفق مع السيدة على أنه سيذهب إلى التاجر فى متجره فى وقت محدد على أن تقوم  بالمجىء إليهما بعد عشر دقائق من اللقاء، وفى الميعاد ذهب إلى التاجر وطلب منه التحدث على انفراد بعيدا عن العاملين فى المحل فجلس معه فى مكتبه، وأخبره أنه كبر فى السن وعنده مال كثير معظمه أمانات لأناس يعرفهم جيدا وأنه يريد أن يضع هذه الأمانات عنده لأنه يشعر باقتراب الأجل ولا يعرف مصير هذا المال بعد وفاته وأنه من الممكن أن يقوم التاجر باستثمار المال فى تجارته أو بجزء منه حسبما يتفق مع أصحاب المال، لكنه قال للتاجر إن أصحاب المال لديهم شرط واحد هو رد المال كاملا أو جزء منه وقتما يطلبونه سواء كان المال أمانة أو موضوعا فى تجارة وأن هذا هو الشرط الوحيد لأصحاب المال.


ورحب التاجر وأبلغه الرجل أنه سيحضر أصحاب المال إليه بعد عدة أيام لكتابة عقد اتفاق بينهم، وما كاد الكلام ينتهى حتى دخلت السيدة عليهما وطالبت التاجر بمالها نظرا لحاجتها إليه، ولم يبد التاجر ارتباكه أمام الرجل وطلب من السيدة أن تنتظره بضع دقائق وهمّ الرجل بالانصراف فأصر التاجر على بقائه للترحيب به كما يجب أن يكون وهو يضمر فى نيته أن يري بنفسه أنه سيعيد المال إلى السيدة، وبالفعل رد التاجر مال السيدة إليها.
استخدام الحيلة فى التعامل مع الناس قد لا يروق من لايمتلكون رصيدا كافيا منها لكن بعض مواقف الحياة تتطلب ذلك.

m.s12600@gmail.com

الاكثر قراءة