رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

الحصاد المر

13 مارس 2019
الهام رحيم

من يتابع الجرائم الأسرية في مصر خلال السنوات الأخيرة يُوقن أننا أمام حصاد مر لحرام نبت في أسرنا بأي صورة, فالحرام له أشكال كثيرة وفي غفلة من الضمائر استحله بعضنا ونحن نتصور أننا لن نجني هذا العلقم المتمثل في حوادث تهتز لها السماوات قبل الأرض.

فمثلا نجد طبيبا يقتل زوجته وأبناءه الثلاثة بعد خلافات أسرية مع زوجته بعد أن كونا معا ثروة معقولة في إحدي دول الخليج !
كما نجد أبا آخر يلقي بأطفاله في النيل بامبابة بحجة ضيق العيش والعوز!


 وأيضا زوجة في الثلاثينيات تشنق نفسها لخلافات مع زوجها وأخري تطعن الزوج 35 طعنة لمجرد تحفظه علي قلة الملح في الطعام, زوج في الصعيد يلقي بزوجته وهي حامل من الطابق الثالث, فتلقي مصرعها لرفضها رد مبلغ تركه معها, ولدينا شاب جامعي يلقي بنفسه تحت عجلات القطار لخوفه من الرسوب في الامتحانات.


هذه عينة عشوائية من الجرائم التي وقعت الشهر الماضي وجميعها توثق للحظات حرجة وفارقة تمر بها العلاقات الأسرية في مصر, تلك العلاقات التي تضررت أو لنكن أكثر واقعية انهارت علي يد اللهاث وراء المادة والثراء وحلم التفوق علي الغير.


فالفلوس صارت منذ عقود سيدة الموقف في علاقتنا القريبة والبعيدة, فالأم تهرول للعمل من أجل المال والأب يدور بين أكثر من عمل لنفس السبب وأحيانا يكون السفر وهجر الزوجة والأبناء حلا لجلبه, والكثير من الأسر فقدت حميمية وإنسانية العلاقة بين أفرادها فظهر بينهم المدمن الذي يقتل أمه أو أباه أو أخوته من اجل الحصول علي الأموال التي يشتري بها المخدرات وهذا النوع من الحوادث صار يتكرر يوميا مع الأسف.


 كما ظهر المريض النفسي الذي أنهكه الإهمال الأسري والأحلام المفروضة عليه أو أصاب نفسيته الهشاشة من الوحدة التي يعيشها بين أهله, فيقرر التخلص من حياة لم يجد فيها من يحتوي جموحه النفسي وشطحات قلبه نحو الحنان والرحمة والأمان المفتقدين في حياته.


داخل بعض الأسر نجد زوجات فقدن آدميتهن وهن يتعرضن للإهانة وتنتهك حرمة أنفسهن علي يد أزواج عاطلين أو منفلتين أخلاقيا يحملوهن نفسيا وماديا ما لا طاقة لهن به, فالسيدات المعيلات في ظل وجود أزواجهن قنابل اجتماعية موقوتة تحتاج للحماية من الضغوط والعذابات التي يعشنها وهناك من يتنطع علي حياتهن تحت بند الزواج والأولاد.


 كذلك هناك أزواج ضاقت بهم السبل بعد أن قررت زوجاتهم تبديل الأدوار داخل الأسرة بكامل إرادتهن وبلا سبب إلا التسلط والتجبر النسائي, فتتحول المرأة لرجل البيت والرجل يتحول لكائن هش، طيع علي الهامش كل دوره أن يكون محفظة ممتلئة دائما وإلا سيهان ويحقر ويفقد ميزة القرب من أبنائه.


 بيوت مغلقة علي ملايين الأسرار التي تدفع لجرائم صادمة لكنها متوقعة إذ سنجد خلفها صورة من صور الحرام تم دخولها هذه المنازل خلال رحلة بحث أصحابها عن المال أو المناصب أو النفوذ مستخدمين أحط الوسائل لتحقيق ذلك, ومتناسيا بأن الله يراهم.


يقول رسول الله "صلى الله عليه وسلم": كل لحم نبت من سحت فالنار أولي به", ويعتقد معظمنا أن النار في الآخرة فحسب، لذا يتجرأ بعضنا علي الله تعالى بقوله: "احيني النهاردة وموتني بكره" دون الالتفات لدروس وعبر ورسائل الله التي لا يتوقف عن إرسالها لتنبيهنا.


 فالنار التي سنجنيها من السحت ستكون في الدنيا قبل الآخرة وإلا لما شهدنا أخوين يتقاتلان علي الميراث, أو نسمع عن أم تلقي بأبنائها في الشوارع أو ترفض مساندتهم في محن نفسية وجسدية يمرون بها حتي لا تهتز صورتها الاجتماعية, أو أب يترك أسرته من أجل نزواته الجسدية.


ملحمة انهيار أسري يسطرها الكثير من المصريين بجرائم مشينة, و ستزداد سخونة الأحداث والجرائم داخلها ونحن نتابعها وكأننا فقدنا عقولنا فمن يتصور أن أب يظن -والعياذ بالله- انه الرازق لأبنائه و يقتلهم إذا تعثر به الحال, ومن يمكن أن يستوعب أن يتحول الزواج من مودة ورحمة لماراثون من أجل التحويش والتكويش علي كل ما تقع عليه أيدينا سواء حلالا أو حراما.


أصبح الأهم لدي البعض هو تسيد المكان الذي يمارس حياته فيه, ولأن كل هذا وهم وقبض الريح فبالتأكيد سيستيقظ السيد في يوم علي كارثة يتأكد بعدها انه لا يتجاوز كونه عبدا من عباد الله مهما علا شأنه, عبدا يسير في ملكوت الله, الله الذي أمرنا بأن نستطيب طعاما أي نبحث عن حلاله ونتجنب حرامه لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب, والزرع الضارب بجذوره في أرض طيبة لن يكون جزءا من ملحمة الانفلات والانحلال الأخلاقي التي نمر بها الآن.

الاكثر قراءة