رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

"جون ناش".. وإخضاع العقل لأحلامنا

24 فبراير 2019
الهام رحيم

"ما زلت أري أشياء لا  وجود لها, أنا فقط  اخترت أن أتجاهلها وأنساق وراء شهيتي للحلم والتخيل" جملة رائعة وردت علي لسان راسل كرو بطل فيلم "العقل الجميل" الذي يروي السيرة الذاتية لعالم الرياضيات الفذ جون ناش الذي توفي قبل أربعة أعوام بعد حياة حافلة بالنجاحات العلمية والعملية المذهلة والتي أهلته لنيل جائزة نوبل في الرياضيات عام 1994.


تبقي الأحلام ممكنة دائما بقدر صدقنا مع أنفسنا ورغبتنا في الدفاع عنها، تلك الرغبة التي جعلت " ناش" يتعايش مع مرضه بالفصام، هذا المرض الذي كان يقضي فترات طويلة من حياته في المصحات العقلية للتغلب عليه بكل ما يسببه له من تهيؤات ومشاهدات غير حقيقية جعلته يصنف طبيا كمجنون, إلا انه إنسانيا كان يحمل الكثير من مواصفات  الكمال الإنساني حيث انتصر لحلمه ولعلمه وحقق كل ما تمناه بعد  سنوات من البحث عن مفاتيح الحياة داخله، تلك المفاتيح التي مكنته من فتح كل الأبواب المغلقة أمامه وما أكثرها.

والسؤال: هل جربت استخدام مفاتيح حياتك أم لم تبحث عنها وتركتها تصدأ من قلة الاستعمال,  أم أنك قمت بالأسوأ وألقيت ببعضها من حساباتك بكامل إرادتك واكتفيت بالبحث عن مفاتيح تشبه تلك التي يستخدمها المحيطون بك فوقعت في الفخ وهو عيش حياة لا تشبهك أو تنتمي إليك, وخضت الأيام  كتابع لأحلام وأفكار غيرك رافضا أن تكون رائدا في طريقك ومستقلا في معتقداتك الحياتية وسلوكياتك المضيئة بإشعاع التفرد والتميز الذي منّ الله به علي كل واحد منا.

هل تخشي إن تركت طريق الجموع وسرت بمفردك ألا تكون جزءا من الكل؟ وهل فكرت بماذا سيفيدك الجميع إذ أمضيت عمرك مفتقدا لأحلام وحياة تحبها رغم اختلافها وتفردها, ولطريق فيه طموحاتك رغم قلة مرتاديه؟

 فالشغف والجرأة والحسابات المتسقة مع إمكانياتنا الشخصية هي الحياة الحقيقية وعدم الرهبة من الطرق المجهولة التي نشعر بالحنين لاستكشافها والسير فيها هو الأمل في أن نعيش ونستمتع بأحلامنا, فليس كل ما يقوم به الجموع صحيحا دائما ولتجربتك الخاصة رونقها ووهجها الذي يضيء حياتك بأنوار العطاء والبهجة بهذا العطاء.

الكثيرون منا يخافون من المخاطرة بأي شكل ويحبسون أنفسهم بعيدا عن الدخول في دوائر أشخاص أو تجارب يعتقدون أنها قد تؤذينا دون الوثوق في عقولنا وملكاتنا التي تحفزنا باستمرار لخلق الحياة التي نريدها معتمدين في ذلك علي قوانا الداخلية التي يجب أن نسخّرها لهدم حوائط الخوف والتحرك بسهولة وسط أي معوقات قد نواجهها فهذا يمنحنا شعورا بقيمة ذاتنا واحترام خصوصيتها.

الشعور بالضآلة والدونية لا يصيب إلا من في قلبه وعقله مرض, ومن يقرر أن يعيش حياة غيره أو لحساب غيره أو علي ذمة أحلام وطموحات غيره هو المجنون وليس  شخصا  كـ"جون ناش"، ففاقد العقل هو من يهتم بكلام الناس وآرائهم وردود أفعالهم علي كل خطوة يخطوها دون أن يمنح نفسه وحلمه هذا القدر من الاهتمام والتوقير.

فمن العبث أن نمضي في  طريقنا مع الأشخاص الذين لا نريد أن نكون مثلهم ولا يشبهونا, ونحن نحتاج إلي أشخاص وبيئة تدعمنا وتقدر طموحنا, وتلك البيئة سنجدها بالتأكيد بقليل أو كثير من الجهد وبها بالطبع أشخاص قادرون علي مشاركتنا الحلم, الذي لا يحتاج دائما في رحلة تحويله لواقع إلى المال الذي يقضي معظمنا العمر في مطاردته, بل يعتمد علي مواهبنا ومهاراتنا بلا واسطة، تلك الواسطة التي قد تجعلك جزءا من طموحات المجتمع المحيط بك لكنها قد لا تضمن لك الحياة التي تستمتع بها.

بالطبع  نريد جميعا دعم ومساندة المقربين منا في الطريق الذي اخترناه، لكن لابد ألا نجعل من هذه المحبة والرضا والقبول لخطواتنا شرطا للمواصلة فيها, ففي بعض الأحيان طالما كان  الحلم شريفا ومشروعا علينا أن نذهب إليه  بمفردنا لاسيما في بدايات وضع حجر أساسه وكلما شيدنا في بنائه سنجد الجميع حولنا فلا أحد يحترم الضعفاء المتخاذلين.

من يتنازل عن حياته وأحلامه كيف ينتظر أن يردها له غيره, ومن يجعل الفقر أو العوز أو فساد المحيط الذي نتحرك فيه مبررا لتخاذله عليه أن يتذكر "ناش" الذي انتصر علي شطحات عقله الذي أخضعه في النهاية لإرادته الفولاذية, فالمعافرة مع الأيام والانتصار علي كل المعوقات والإحباطات ورسم خط بداية للتحرك سيضمن لنا الحصول علي ما نريد كنتاج لما قدمناه, هكذا يخبرنا العقل وما أدراك ما العقل حينما يخدم أهدافنا ويمكننا من الاستمتاع بسحر الحياة وسرها وهو الحلم.

الاكثر قراءة