رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

اللقطاء هم أبناء لحظة ثقة.. من الجاني ومن المجني عليه؟

21 يناير 2019
شربات عبد الحي

«اللقطاء».. قضية يقشعر لها البدن ويندي لها الجبين حين نتعمق في خباياها، من هموم ومآسي، فأن الأطفال يدركون أن سنوات عمرهم المتعاقبة، وأحداث حياتهم الطويلة والمره، ليست سوى دقيقة واحدة من الشبق والشهوة بين رجل وامرأة منحرفان، وصلت إلى إلقائهم في ظلمة الليل وزمهرير البرد، ليحظو بنظرات الكراهية والبغض والاحتقار، أعقبت لهم كل هذا النزف الحاد لأيامهم ولياليهم.


«إين أمي وأبي؟ _ أنا مين؟».. أسئلة تفتح دفاتر زمن لا يأبى الرجوع للخلف، ويحارب النسيان فتكون الخطوة الأولى للسقوط من دار الأمن ودفء الأحضان، إلى نار المجتمع الذى يفتش دائماً عن الماضى، المجتمع الذي ينشغل بأصل هؤلاء الأطفال، بل ويحمل سوطاً يجلد به أطفالاً لا ذنب لهم فى الحياة بل يعيشون العمر كله يدفعون ثمن واقع صنعه أهلهم.

منذ اللحظة الأولى، عند ولادة إي طفل طبيعي، تُسمع أصوات لآلآلم الأم، وقلق الأب والأهل، أما عن مجهولي النسب، فولادتهم كانت من أصعب العمليات، حيث كانت عملية صعبة ومهينة وسرية، يختلط بها صراخ إمرأة مكتوم، ببكاء رضيع ضعيف غير مرغوب فيه، تتفتح أعينهم في مكان مظلم وبارد، كقطعة لحم تالفة، بجانب حاوية قمامة، يلقون بهم في الأزقة، أو في الشوارع، أحياناً أمام المساجد والمؤسسات، وإذا أخذتهم الرحمة يضعون بجانبهم علبة حليب، ويغادرون المكان مسرعين، تاركينهم للمصير المجهول.

هذه القضية المغلقة، بغلاف سميك من السرية والكتمان، تبحث السطور التالية عن حل لها وتأثيرها على الأطفال ونتائجها في المجتمع.

قوانين الدولة المصرية

وبحسب قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، أقرت وزارة التضامن الاجتماعى شروطاً محددة لكفالة الأيتام، من خلال نظام الأسر البديلة التى بدأته عام 1959 من خلال إلحاق الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، خاصة مجهولى النسب بأسر يتم اختيارها وفقاً لشروط ومعايير، منها التأكد من صلاحية الأسرة وسلامة مقاصدها لرعاية هؤلاء الأطفال دون استغلال أو لمصالح ذاتية، ثانياً أن تكون مصرية مكونة من زوج وزوجة وولدين على الأكثر، وحصول أفراد الأسرة البديلة على قدر من التعليم، كما وجد أنه من الضرورى إثبات قدرة الأسرة البديلة على تلبية احتياجات الطفل، الأسر البديلة نظام يبدأ بعد أن يتجاوز الأطفال سن عامين، ثم تم تعديل ذلك بقرار من رئيس الجمهورية ليصبح ثلاثة شهور.

وتشمل هذه الرعاية الأطفال اللقطاء مجهولى النسب، وكذلك الأطفال غير الشرعيين الذين يتخلى عنهم ذووهم، والأطفال الضالين الذين لا يمكنهم الإرشاد عن ذويهم وتعجز السلطات المختصة عن الاستدلال عنهم.

يضاف إلى ذلك الذين يثبت من البحث الاجتماعى استحالة رعايتهم فى أسرهم الأصلية مثل أولاد المسجونين، وأولاد نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية، والأطفال الذين لا يوجد من يرعاهم من أقربائهم أو يشردون نتيجة انفصال الوالدين.

وفي النهاية، تتم الرعاية داخل الأسرة كفرد من أبنائها، ويحرر عقد رعاية بين الأسرة البديلة وإدارة الأسرة والطفولة بالمديرية، ويتم عمل متابعة شهرية له بواسطة الإدارات الاجتماعية فى المنطقة التابعة لها الأسرة التى تتولى أمر الطفل.

الدين ورعاية اللقيط

وعلق الشيخ عبدالله بن جبرين، عن حكم تبني اللقيط، قائلًا: إنها أعظم من كفالة اليتيم، مشيرًا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم، في حديثه الشريف، قال"أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"،(وأشار بالسبابه والوسطى)، متسائلًا: إذا كان هذا فضل كفالة اليتيم فكيف باللقيط، مضيفًا أن الأمام علي عليه السلام)، كان يربي بعضهم ويعتني بهم كاليتامى.

وتابع، الإسلام لم يقر مبدأ إلا فى صالح الأسرة والمجتمع المسلم، والناس تعلم أن هناك فرقاً بين التبنى والكفالة، وتولى مسئولية طفل رعاية كاملة دون منحه اسم الأب البديل، وذلك حفظاً للأنساب.

حقوق الطفل

مايسة فهمي، خبيرة حقوق الطفل، تقول: أن أهم العقبات التي ستواجه مجهولي النسب، هي التراث الثقافى، مشيرة إلى أنه يجب العمل على تغييره بشتى الطرق، لأن فكرة تقبل هذه الفئة من الأطفال تواجه برفض مجتمعى شديد، وعندما تم توقيع اتفاقية الطفل العالمية، كان هناك تحفظ من جانب مصر على المادتين 21 و22 الخاصتين بالتبنى، لأن منحه أسم الأب البديل سيصطدم بالشريعة.

وأشارت، أن المجتمع يراه «ابن حرام»، مما يترتب عليهم الانقلاب على المجتمع، وأنه يجب توافر التربية المتوازنة، إي معاملتهم كأى طفل فى ظروف طبيعية، لا تدليل ولا قسوة، وبالحب وحده نضمن انتماء الطفل وولاءه وعبوره بسلام أزمة معرفة حقيقة وضعه فى المجتمع.

الجانب الاجتماعي و النفسي

وتقول إيمان محمود، إحدى الباحثات التربويات في هذا المجال: أن ضعف الوازع الديني والأخلاقي، وقصور أساليب التربية السليمة عند بعض الأسر وضعف الثقافة الدينية، وعدم وجود رقابة اجتماعية على الأفراد، هي من تخلق أطفال مجهولي النسب، مشيرة إلى أن إهانة اللقيط تجعله شابًا كارهًا لنفسه منتقمًا من مجتمعه، لذا يجب علينا أن نربى ونبث الحب والقيم ونكفل سبل الحماية النفسية والمادية لهم، سواء من ناحية الأسرة أو المجتمع أو الدولة كلها.

ووجهت عدة رسائل للأهل لتقليل أعداد مجهولي النسب، قائلة: يجب عمل برامج وحملات توعية للفتيات، بعدم الانخداع بشعارات الحب، ويجب توعية الأسر بضرورة تحمل مئولية التوجيه والرقابة والتقرب من الأبناء ومراقبة سلوكياتهم، فضلًا عن الاهتمام بالمجتمعات الفقيرة، والاهتمام بالتوعية الدينية للشباب لتجنب الوقوع فى هذا الخطأ الكبير.

نظرة المجتمع لمجهولي النسب

ويقول محمد النحاس، موظف، أن اللقطاء ليس لهم ذنب في حياتهم، بل إنني إذا صادفت شابة جميلة الخلق، من الممكن أن أتزوجها، لأن الحكم يكون للقلب, وكل مايهمني هو توافق النبضين, لأنهم يكونون من أكثر البشر طيبة وانكساراً, وتلك الصور العنيفة التي تظهر منهم، هو بسبب المجتمع الذي لا يرحم من له نيب فما بالكم بمن ليس لديهم نسب أو أهل!

وعلقت إسراء محمد، إحدى الطالبات الجامعية، أن اللقطاء هم أبناء لحظة ثقة أو موت ضمير أمرأة ورجل، أو أمرأة سيئة السمعة ورجل يشبهها، أو عند حدوث حالة اغتصاب"، ففي كلتا الأحوال تنتج عنه طفل مجهول النسب، كما أن لحظة الثقة أصبحت "جريمه" تحاسب عليها طول العمر، لأن اللقطاء هم آبناء لحظه خيآنه ضمير وآهل ونفس وكرآمه.


وعلقت منار فهمي، سكرتيرة لأحدى الشركات، قائلة: أن مجهولي النسب، لم يعرفو طعم الوقت ولا لذة الحياة، فرائحة السنوات وصوت الدقائق على جدران الساعة، لا تغريهم، فهم لا يدرون من أي رحم جاءو، فهم ضحية ذنب لم يقترفوه، فمنهم من هم ثمن ليلة عابرة، أو ثمرة علاقة لم ترقى لمستوى الحب، أوغباء مراهَقَة وانجراف نحو شهوة، أو وعد ذكر، فاته رَكْبُ الرجال ومشاعر أنثى خانت نفسها وثقة والدها، وفي النهاية كُتب على جبينهم الشقاء، منذ تركهم وحيدين، بعد ساعات من ولادتهم.

وتابعت، يجب أن يعطي لهم المجتمع الأمان، لأنهم حُرمن دفء العائلة وحنانها، وذكريات طفولتهم تتلخص في الظلم والبؤس، فلا أحد يتذكر متى ظهرت أول سن في فمهم ولا أول خطوة ولا حتى أول كلمة نطقت، وعند بلوغهم، ومعرفة حقيقتهم فمنهم من يتعرضن لكوارث بعد معرفة الحقيقة، ويتقبلون الوضع بصعوبة.

وزيرة الثقافة الفرنسية

استضافت الصحفيّة «مايتنا بيرادن» في برنامجها الأسبوعي «الملحق» في قناة «كنال بلوس»، وزيرة الثقافة «فلور بلّران»، وتطرّق الحديث إلى نشأتها الطفولية، روت وزيرة الثقافة الفرنسية، البالغة من العمر الثالثة والأربعين، قصتها قائلة:" أنا لا أب لي ولا أم سوى اللذين تبنياني، حيث تمّ العثور على مصادفة حينما كان عمري ثلاثة أيّام، مرميّة في ركن شبه مظلم في شارع من شوارع أحياء مدينة «سيول» بكوريا الجنوبيّة، تخلصت مني أمي خشية من الفضيحة والعار، بسبب علاقتها الغير شرعيّة، وفي نفس الليلة بعث لي القدر رجلاً عثر علي صدفة، واكتشف أنني لم أتجاوز الأسبوع، فأعلم الشرطة التي أحالتني إلى دار الأطفال اليتامى، وأعطوني أسم «كيم جونغ سوك» (ومعناه المرأة الكاملة والمثاليّة) وترعرت في تلك الدار.

وتابعت، كانت هناك عائلة فرنسية مقيمة في ضواحي العاصمة باريس تتكوّن من زوجين هما Annie «أنّي»، وهي ربّة بيت، وJoël Pelle¬rin «جووال بلاران»، وهو باحث في الفيزياء أسّس شركة لبيع المعدّات الطبيّة، كانا يبحثان عن طفل يتكفّلان به، ولأنّ التبنّي في فرنسا يكاد يكون مستحيلاً لعدم توافر أطفال يتخلّى عنهم ذووهم، وفي أحد الأيام، طالع الزوجين مقالاً في مجلّة «باران» (الأولياء) عن جمعيّة إنسانيّة هي «أرض البشر» الراعيّة للطّفولة البائسة وتتوسّط في عمليّات التبني من خارج فرنسا، فاتّصلو بهم وأبلغوهم برغبتهم في التبني، وعرضو عليهم صورة طفلة كوريّة عليها رقم وتاريخ الميلاد، وكان عمرها في الصّورة يوماً أو يومين، ويوم 28 فبراير 1974 وصلت الرّضيعة على متن رحلة من سيول إلى باريس، كان عمرها ستّة أشهر.

وأضافت، بدأت حياة أخرى، اختارت أسرتي الجديدة اسما ثانيّا هو«فلور»، وحينما كبرت قال لي أهلي قصتي الحقيقية وأعطوني ملف التبنّي وبه كل الوثائق الخاصة بي، ثم تفوقت في دراستي، حتي عام 2000 قمت بالالتحاق إلى فريق «فرانسوا هولاند»، وكنت إلى جانبه عندما خاض معركته الانتخابيّة، ولمّا فاز بالرّئاسة في مايو 2012 ، قام بتعيني وزيرة للاقتصاد الرقمي، ثمّ وزيرة للتّجارة الخارجيّة، وفي أغسطس 2014 اختارني وزيرة للثّقافة والاتّصال.


«محترفات الدعارة لا ينجبن اللقطاء، لأنهن لا يثقن بـ أحد».. هل تحولت تلك المقولة إلى واقع يعيشه الكثيرين، هل أصبح النسب ضمن طبقات المجتمع، من السبب في وجودهم، هل المجتمع الذي أصبح يتفاداهم كالمجذوم، بسبب والدين مجهولين ذرعا «الثمرة الحرام» وبعد نضوجها تركوها في الشارع، أم الطفل الذي جاء إلى الدنيا بدون علم.

الاكثر قراءة