رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

«حرب الإعلانات» تغزو عقول الأطفال للإيقاع بجيوب الكبار

1 يناير 2019
شربات عبد الحي

"اقترف البشر أخطاء كثيرة، ولكن أسوأ جريمة اقتُرفت على الإطلاق، هي التخلي عن الأطفال".. بهذة الكلمات القليلة، عبر الكاتب "غابرييلا ميسترال"، عن أسوأ جرائم البشرية التي تجعل الأنسان ينزف من أقصى وجدانه، إهمال الطفل والتخلي عنه، يُنتج في النهاية، ظهور طفل غير سوى يؤثر بالسلب على أفراد المجتمع.


 

تربية الطفل في مراحله الأولى، تُعد من أهم الفترات في حياة الإنسان، فعندما يخرج من رحم أمه، يكون ذو صفحة بيضاء تغمرها حياة صافيه، وروحًا نقيه، وقلبًا بريئ، ولكن في الفترات الأخيرة، ظهرت أجيال عنيفه، ذو سلوك سئ، ونفوسًا مريضه، ولكن مَن الجاني؟ ومَن المجني عليه؟.

 

«"إبني مبيسمعش كلامي"- "إبني دايمًا تاعبني وبقى عنيد" – "إبني بيعمل حركات غريبه محدش علمهالو قبل كده"» بكاء مدوي، يقرع على إحدى أبواب دكتور نفساني، الذي يقطن في أحد الأحياء الشهيرة بالقاهرة الفاطمية، ويدعي حي الدقي، فبعد الإنتهاء من صوت أذان الظهر، سمعت إحدى الممرضات بكاء سيدة، على باب عيادة الدكتور طارق مرزوق، من أشهر الأطباء النفسيين في مصر، حيث فتحت الممرضة الباب، وسمحت لتلك السيده بالدخول، وأخذ نفسًا عميق، حتى تستطيع فهم ما تقوله، فبعد مرور أكثر من 10 دقائق، أخذت السيدة الباكيه، وتدعي نهى محمد، والدة الطفل إمام ذو الخمس أعوام، والتي تبدو مهندمة ذو شكل لائق، وملابس متناسقه، تضع نظارة فوق رأسها، ولكن وجهها ناصع البياض غمره كحل "سايح" علي الخادين، من العنين، "بايش" من الدموع، تقول في نبرة هادئة بعد بكاء طويل، " أنا محتاجه الدكتور ضروري، إحجزيلي كشف سريع"، وعلى الجانب المقابل نظرت السيدتان لها في حاله من التعجب والإستغراب، وبعد مرور ربع ساعه من الوقت، دخلت السيدة المهندمة، تحكي للدكتور مايفعله إبنها، حيث تقول" إبني يادكتور أتغير وبقى شقى وعنيف ومبيسمعش كلام حد لدرجة وصلة العند مع باباه ومعايا، وأنا خايفه عليه لأن الميس أشتكت منه بسبب عنفه وحركاته العدوانيه مع بقية زملائه"، وبدأت ترتل بعض من هذة الكلمات لمدة عشرون دقيقة، وبعد إنتهائها، طلب الدكتور معرفة تفاصيل يوم "إمام"، فقالت" أنا وزوجي بنشتغل وهو بيروح وبيجي بالباص وبيستنانا في البيت مع الداده، وبيقضي معظم وقته أدام التليفزيون"، ورد عليها الدكتور رد، يكاد يهز شعر السيدة من جسمها بالكامل، حيث قال "إهمالك لأبنك وكثرة مشاهدته للتلفاز بشكل عام، والإعلانات بشكل خاص هي السبب"، وطالبها بالسير على بعض الإرشادات، لوقف عنف الطفل الذي تدخلت في عقله الكثير من الأفكار السلبية.

 

أسئلة تبحث عن أجوبة، في وجوه الأجيال القادمة، فهل سننتظر طويلًا لوضوع حلول لهذة الأسئلة وهذا العنف أم ماذا، ولكن إذا نظرنا إلى أرض الواقع، سنلاحظ انتشار "الإعلانات" بصورة مكثفة وبأشكال وأساليب مختلفه، هل هي الجاني أم المجني عليه، في السطور التاليه سيكشف علماء النفس والاجتماع والإرشاد الآسري، حقيقة هذا الأمر.

 

وصفت الدكتورة إيمان عبد الله خبيرة الصحة النفسية والإرشاد الآسرى، ‏فحوى الإعلانات المتواجدة على الساحة التليفزيونية وتأثيرها، قائله: أن الإعلانات تُعد من أكثر الأشياء المؤثرة على الطفل، وذلك لإحتوائها على صورة مرئية وشخصيات وأغاني، مما تعمل على جذب أنظار الطفل، فضلًا عن إستهلاك الإعلان لعقل الطفل وجعله مشوش في الأفكار الصحيحه والخاطئة، مما ينتج إستقطاب للأطفال في تنفيذ الإعلانات، وذلك لما معروف عن الطفل، في تقليد لكل مايراه سواء على الشاشة أو على أرض الواقع، بسبب عدم نمو عقله الفكري والشخصي.

 

وأوضحت خبيرة الصحة النفسية، أن مُشاهدة التليفزيون تُرسخ الصورة في عقل الطفل، وذلك لإتاحة تنفيذها على أرض الواقع، مؤكدة إلى أنه يجب على الأهل تخصيص أوقات معينه لمشاهدة التليفزيون بوجه عام، وتحديد محتوى المشاهدة بوجه خاص، منعًا لتعلم السلوكيات الشاذة والسلبية.

 

"إبنك على ماتربيه".. بهذة المقولة عبرت الدكتورة النفسية، عن الحلول التربوية لمنع الطفل من الإنجذاب للإعلانات، مشيرة إلى أنه يوجود دور على الأسره، والأب والأم تحديدًا، في تشكيل سلوك الطفل وتنشئته، من خلال توجيه أطفالهم وحثهم على القيام بأعمال مفيدة لصحة وعقل الطفل، كمارسة الرياضة والأنشطة المختلفة، وقراءة الكتب والمهارات والابتكارات، الأمر الذس سينتج عنه في نهاية الأمر هو ظهور شخص سليم للمجتمع.

 

ومن الظواهر السلبية التي تصيب الطفل في حالة التأثر بالإعلانات، كما وضحتها، الدكتورة النفسية، هي عدم وجود أصدقاء للطفل، فضلًا عن تكوين شخصية غير متزنة، وعنيفة وانطوائية، مشيرة إلى أن الأعلان أصبح في هذة الحاله عبارة عن الأب الثاني، والمعلم الأول للطفل، وذلك بسبب انحدار دور الأم والأب.

 

وعن السبب وراء انحدار دور الأب والأم في رعاية الطفل، أشارت دكتورة الإرشاد الآسرى، إلى أن المشاكل الزوجية والعنف داخل الأسرة الذي يظهره الأباء عادة، بالإضافة إلى انشغال الأم والأب في عملهم وتركهم لأطفالهم بالساعات الطويلة، بدلًا من احتوائهم وتمضية أوقات طويلة مع أطفالهم، والذي يترتب عليه في نهاية المطاف، إلى خلق طفل معدوم الشخصية، ومريض إكتئاب ونفسي.

 

وطالبت الدكتورة إيمان، بتفعيل دور المشاركة بين الأباء وأطفالهم، وخلق حوار بناء وقدوة ونموذج يقتدي بهم الطفل، بالإضافة إلى البعد عن الإعلانات الهدامة، وتوجيه أنظار الطفل للقراءة وابتكار الأختراعات وممارسة الرياضة، فضلًا عن ضبط الطفل من الناحية الداخلية كتعليم الطفل الأخلاق والنشاط والعادات والتقليد، ليولد انضباط خارجي للطفل.

 

كما اتفقت معها في الرأي، الدكتورة أسماء مراد الفخراني، استشاري العلاقات الأسرية، على أن الإعلانات أصبحت تندرج تحت اللا أخلاقيًا وذلك بهدف كسب الربح السريع، مشيرة إلى أن الإعلان في الأساس هو عبارة عن تسويق لمنتج أو لشخص، والتي يجب أن تسير تحت قواعد الميثاق الإعلامي.


وأشارت إلى أن الإعلانات أصبحت منتشرة في المجتمع بصورة كبيرة، ولم يكترث على التلفزيون فقط، بل توغل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة على أن الطفل يقوم بتقليد أعمى لكل المشاهد التي يراها، والتي عادة تكون ذات سلوك سئ، مضيفة إلى ان الأعلانات تعمل على إبهار الطفل أكثر من الكبار، وذلك لعدم نموه العقلي والفكري.


وطالبت استشاري العلاقات الأسرية، بتوجيه الرقابة على شركات الدعاية والإعلان من الجهات الحكومية، ونشر إعلانات هادفة تساعد الطفل في نموه العقلي والبدني، فضلًا عن وجود رقابة على الطفل لمنعه من مشاهدة تلك الإعلانات، وتوجيه أنظاره إلى كل ماهو مفيد.

الاكثر قراءة