رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

ثروة تمتلكها وأنت لا تشعر

25 ديسمبر 2018
محمد صلاح أحمد

"لو معايا كذا مليون جنيه كنت اشتريت شقة وسيارة واتجوزت"

"لو كنت غنى كنت أسافر أوروبا كل سنة فى الصيف"
"نفسى فى شاليه فى الساحل لكن ما باليد حيلة"
"لو كنت مليونير كنت أصلى الجمعة كل أسبوع فى الحرم"
"ياااااه لو كنت رجل غنى".


الجمل السابقة يرددها كثير من الشباب فى أحلام يقظتهم ويتمنون لو استطاعوا تحقيقها ومنهم من يسعى إلى ذلك بالعمل ومنهم من ينتظر أن تهبط عليه ثروة من السماء بدون مجهود.. هؤلاء الشباب يظنون أنهم فقراء بنسب تختلف من شخص لآخر حسب تطلعات كل منهم لكنهم مخطئون.. فإذا نظروا بعين الجد إلى حقيقة أوضاعهم لوجدوا أنهم أغنياء لكنهم لا يشعرون.
الثروة ليست مالا وممتلكات مادية فقط.. فالأهل ثروة والصحة ثروة والقرب من الله والسير فى طاعته ثروة، وهذا الكلام ليس جديدا والجميع يعرفه كقطعة نصوص قمنا بحفظها جيدا فى مقررات مادة اللغة العربية ونرددها بلا وعى وإدراك حقيقى.


ولكى ننقل معرفتنا بهذه الحقيقة من حيز الذاكرة إلى حيز الإدراك الواعى يجب دائما أن نتفكر فيما نمر به ونتعرض له من أمثلة على ذلك ولا يغيب عنا ألا نتجاهل هذه الأمثلة، وقد ساق ديل كارنيجي - المؤلف الأمريكي المشهور المتخصص في التنمية البشرية وتحسين الذات ومدير معهد كارنيجي للعلاقات الإنسانية - العديد من الأمثلة على ذلك منها: حدثنى هارول أبوت صديقى يوما قائلا: فى لأحد أيام ربيع عام 1934 شاهدت منظرا قضى على كل القلق الذى كنت أعانيه فى ذلك الوقت، ولم يستغرق ذلك أكثر من عشر ثوان لكننى تعلمت خلالها فن الحياة أكثر مما تعلمته فى عشرة أعوام، فمنذ عامين كنت مثقلا بالديون بعد أن خسر محل البقالة الذى كنت أمتلكه وبعد أن فقدت فيه جميع مدخراتى وظللت أكثر من سبعة أعوام أسدد ديونى.


وقبل أسبوع من إغلاق المحل كنت أسير متجها إلى أحد البنوك لأقترض مالا يساعدنى على الانتقال إلى مدينة كانساس للبحث عن عمل وكنت أسير شارد العقل مثقلا باليأس فاقدا للشجاعة والثقة بالنفس وفجأة رأيت رجلا مبتور الساقين يريد أن يعبر الطريق وكان يجلس على عارضة خشبية مزودة بعجلات صغيرة ويزحف فى الشارع مستعينا بقطع من الخشب يمسكها بيديه وبدأ يرفع نفسه ليصل إلى الرصيف وبينما كان يقوم بذلك التقت عيناه بعينى فابتسم لى ابتسامة عريضة مشرقة قائلا: عمت صباحا يا سيدى، إنه يوم جميل.. أليس كذلك؟


وبينما كنت واقفا أنظر إليه أدركت كم أنا واسع الثراء.. إن لى ساقين أستطيع السير بهما وشعرت بالخجل وحدثت نفسى قائلا: إذا كان هذا الرجل سعيدا ومرحا وواثقا من نفسه بالرغم من فقده ساقيه فأولى بى أن أكون كذلك فإن لى ساقين، وقمت بكتابة كلمات وألصقتها على المرآة حتى أطالعها كل صباح وهى: "شعرت بالقلق لأنى لا أملك حذاء، حتى التقيت فى الشارع رجلا ليس لديه ساقان".


وواصل كارنيجى ذكر الأمثلة قائلا: سألت يوما إيدى ريكنيكر عن الدرس الذى تعلمه خلال بقائه ورفاقه واحدا وعشرين يوما فى قارب مطاطى تائهين فى المحيط الهادى فأجاب: إن أكبر درس تعلمته من هذه التجربة أنه طالما لديك الماء الذى تشربه والطعام الذى تأكله فلا يجب أن تشكو من شيء بعد ذلك.


 وقد نشرت مجلة "تايم" مقال مؤثرا عن جندى أصيب بشظية فى حنجرته فى إحدى المعارك وبينما كان يرقد فى المستشفى سأل طبيبه: هل سأعيش فأجابه الطبيب: نعم، فواصل سؤاله: وهل سأتكلم فأجابه الطبيب ثانية: نعم: فقال الجندى: يا لى من أحمق فلماذا أشعر بالقلق إذن؟.. وواصل كارنيجى: لم لا تتوقف الآن وتسأل نفسك: لماذا أنا قلق؟ فربما تكتشف أن ما يثير قلقك أتفه بكثير مما حدث لهذا الجندى.


"إن تسعين بالمائة من أمور حياتنا يسير فى طريقى الصحيح، وعشرة فى المائة فقط يخرج عن هذا الطريق، فإذا أردت أن تكون سعيدا فعليك بتركيز اهتمامك فى هذه التسعين فى المائة من أمورك وتجاهل العشرة فى المائة الأخرى، أما إذا أردت أن تحول حياتك إلى جحيم فالأمر سهل، فما عليك إلا أن تركز اهتمامك على تلك العشرة فى المائة".


وأردف كارنيجى: كان جوناثان سويفت – الأديب والسياسى الإنجليزي الأيرلندى – مؤلف "رحلات جاليفر" من أكثر الأدباء الانجليز تشاؤما حتى أنه كان يرتدى ملابس الحداد فى ذكرى ميلاده، ومع ذلك فقد امتدح الفرح والسعادة فقال: إن أفضل الأطباء فى العالم هم الغذاء والسلام والانشراح وفى إمكاننا –أنا وأنت– أن نحصل على خدمات الطبيب الثالث (الانشراح) بغير مقابل لو أننا ركزنا اهتمامنا على الثروات الوفيرة التى نمتلكها وهى ثروات تفوق كنوز "على بابا".


هل تبيع عينيك مقابل مليار دولار؟ وعلى كم ستحصل مقابل ساقيك أو يديك أو سمعك أو أطفالك أو عائلتك؟.. احسب ثرواتك بندا بندا ثم اجمع هذه البنود وستجد أنها لا تقدر بمال بل إنها أكثر من المال الذى تمتلكه عائلات روكفلر وفورد ومورجان مجتمعة، لكن هل نقدر جميعنا هذا كله؟.. بالطبع لا.


قال الفيلسوف الألمانى أرثر شوبنهاور: من النادر أن نفكر فيما نملك، بل إننا نفكر دائما فيما لا نملكه وهذه هى مأساة العالم اليوم، واختتم كارنيجى كلامه: احص نعم الله عليك بدلا من أن تحصى متاعبك.

الاكثر قراءة