رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

اسمعنى من فضلك

25 ديسمبر 2018
وليد فاروق محمد

مر عام طويل، ولو سألتني ما أكثر شيء افتقدته مع رحيل أمي، لقلت لك بلا تردد "كل شيء"، لكن أبرز شيء فعلاً هو أن تجد من يسمعك، فالكل يتسابق للكلام.. وإذا سمعك أحدهم يتقمص دور الحكيم الذي لا يأتيه الباطل لعلمه بأسرار الكون.. بينما أنت لا تتمني سوى الإنصات، تبحث عن شخص ينظر إليك صامتاً ويترك لك مساحة للفضفضة والبوح، يمنحك الوقت كاملاً ولا يتكلم إلا عندما تطلب منه أو تنتهي من إفراغ حمولة نفسك المهمومة، ينظر لعينيك ولا يعلق لأنه يفهم ويقدر، فهو لا يحتاج لمقاطعتك لأنه يعرف عنك أكثر مما تقوله، وقرأت مؤخراً حكاية دارت أحداثها في عام 1981 حينما أجرت المطربة داليدا  حواراً مع الفنان عمر الشريف للتليفزيون الفرنسي، يومها طلبت منه أن يحكي لها موقفاً اكتشف من خلاله أفضل ميزة في شخصيته، فقال لها: إن صديق عمره الفنان أحمد رمزى زاره فجأة في وقت متأخر رغم أنه لم يعتد- نهائياً- أن يأتيه دون ميعاد، وكان عمر يستعد للخروج لارتباطه بموعد تصوير، ولكن بمجرد أن شاهد رمزى علي الباب وبدا متوتراً نسي كل شيء، سأله: "مالك؟ " ..

وكأن رمزى كان يريد أن "ينكشه" أحد ليتكلم ويحكى.. وبدأ في الفضفضة بخصوص مشكلة بينه وبين زوجته وأنها عملت كذا وكذا وردت عليه بعصبية رغم تحذيره لها من كذا وكذا.. قال كلاماً كثيراً بمنتهى العصبية والتوتر، كان واضحاً أن رمزى يتخلص من شحنة غضب بداخله بالحديث مع صديقه، كان عمر يعرف صاحبه جيداً.. لم يقاطعه نهائياً وتركه لمدة ساعة يحكي ويتعصب ويصدر أحكاماً ويتوعد ثم يهدأ ويضحك، رمزي لم يكن محتاجا لمن يوافقه أو يعارضه أو يقول له حلولاً بقدر احتياجه لمن يسمعه فقط، لذلك داليدا  كانت مندهشة وسألت عمر: " لم تفعل أي شيء لتهدئ من عصبية صديقك ؟! " فرد عليها عمر ببساطة : لا، عملت.. كنت أقول له: مممممم ، ثم أهز رأسى بهدوء واهتمام وأنا أسمعه ، وطوال الوقت أنظر في عينيه وأركز فى كل حرف يقوله، فقد كان يريد مني أن أسمعه .. والإنصات قدر سهولته لكنه صعب جداً وأحياناً يصبح أغلى هدية يمكن أن تقدمها للبشر، ويومها اكتشف عمر أن هذه أفضل ميزة في شخصيته، خاصة أن أحمد رمزى بعدما هدأ نزل مع عمر وذهبا لبيته وتصالح مع زوجته في وجود صديقه الذي لم ينطق بكلمة واحدة.. لكن صمته كان أهم نصيحة، والمعادلة بسيطة جداً.. مشكلتي حتى ولو كانت تافهة هي في عيني أكبر أزمة في الدنيا، وفي هذه اللحظة اكتشفت أن فلاناً هو أهم شخص في حياتي بدليل أنني اخترته لكي يسمعنى في أشد لحظات ضعفي وغضبي  ..

ولذلك فقط لا أريد منه سوى الإنصات، وقرأت مرة أن أكبر مستشفى للطب فى أمريكا ( Johns Hopkins Hospital ) مكتوب على لوحة رخام في مدخلها عبارة تقول: "عندما اطلب منك أن تنصت فتبدأ أنت فى إسداء النصح لى فهذا يعنى أنك لم تفعل ما طلبته منك.. عندما أقول لك أنصت إلىّ فكل ما أطلبه هو الإنصات.. لا تتحدث ولا تفعل شيئًا، فقط اسمعنى..

وإذا أردت التحدث فانتظر لحظة حتى يحين دورك وسأنصت إليك"، ومهم أن تحسن اختيار الشخص المناسب للاستماع لك، وكما قال الجاحظ: "من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك"، وسيدنا عطاء بن أبى رباح كان يقول: " إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأنى لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد"، ومما روي عن سيدنا الحسن بن علي- رضي الله عنه-: "إذا جالست فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن القول ولا تقطع على أحد حديثه"، وعن جرير بن عبد الله- رضي الله عنه- قال‏:‏ قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع‏:‏ ‏"‏استنصت الناس‏"‏، وما أروع أبيات ابن الرومي التي قال فيها:


مَنْ لي بإنسانٍ إذا خاصمتُه .. وجهلت كان الحِلمُ ردَّ جوابِهِ
وتَراه يُصغي للحديث بسمْعِه .. وبقلبِه، ولعلَّه أدرى به !
نصيحة أخيرة ، استمعوا كثيراً لأصوات من تحبونهم.. اشبعوا من كلماتهم وانظروا في أعينهم، لا تقاطعوهم ولو كنتم علي حق، لا تستعجلوا السكوت.. فالصمت موت.

الاكثر قراءة