رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

«كبسة زر في شاشة صغيرة».. تكشف الأسرار وتفضح البيوت

13 ديسمبر 2018
شربات عبد الحي

«تباعد بين أفراد الأسرة، تلاشي التجمع سويًا، كل فرد أصبح في عالم آخر، كل منهم تحول من قريب إلى غريب في بيته، قريب للأصدقاء المتواجدين خلف القطعة المعدنية البارز ألونها ذو الملمس الناعم، هكذا تحول المجتمع من تشتت أسري، إلى تجمع إلكتروني».


في غمضة عين، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي كل بيوت العالم، فوفرت مساحات للدردشة بين الأشخاص، لتكون وسيلة للتنفيس عن النفس، وسرد الأسرار الشخصية وتفاصيل الحياة الخاصة، مما نتج عنه تكوين صداقات عابرة للواقع والجغرافيا، وتوسيع دائرة المعارف، عبر "فيسبوك، تويتر، واتساب، ماي سبيس، إنستجرام، سناب شات"، وتتصدر فئة الشباب التي تتراوح أعمارهم من بين 15 إلى 35 عاماً مُستخدمي تلك الشبكات في المنطقة، لتستحوذ على 70% من مُستخدمي مواقع التواصُل الاجتماعي في العالم العربي.

إلا أن العالم الواقعي أصبح عالم افتراضي، وكشرت وسائل التواصل الاجتماعي عن أنيابها، وأظهرت الجانب المظلم والسيئ والسلبي لتصبح الأداة الاكثر خطورة، وذلك ظهر في عدة دراسات حديثة تم إجرائها في العديد من الدول العربية والأوروبية.

أبحاث ودراسات تحذيرية:
نشر مجموعة من الباحثين الاجتماعيين، عدة أبحاث لتحذير مدمني مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدين على أن إدمان الفيسبوك نكتة، لكنه أصبح الآن مشكلة خطيرة، وحتى الناس الذين يكرهون مواقع التواصل الاجتماعي، لديهم حاجة ملحة في اللاوعي للحصول على كبسة إعجاب، لذا يفضل عدم إضافة أشخاص مجهولين على الحساب الشخصي، ويجب تجنّب وضع أرقام الهواتف على الصفحة الشخصية، كما أن غرف الدردشة الخاصة، قد لا تتمتع بقدر السرية والخصوصية الذي قد يظنه البعض، بالإضافة إلى التجنّب التام لإستخدام الكاميرا إلا مع الأشخاص المقرّبين وذوي الثقة فقط، وأخرًا  يجب أنْ يكون استخدام الأطفال لمواقع التواصل تحت إشراف الوالدين، تجنّباً لقيامهم بسرد بعض الأسرار عن الحياة الشخصية للأسرة.

فيما كشفت دراسة كندية، أن مواقع التواصل الاجتماعي لها تأثير إيجابي على النواحي النفسية والترفيهية بالنسبة لكبار السن مقارنة مع الأشخاص الأصغر سنًا، حيث أخضع الباحثون عينة من مستخدمي “فيسبوك” تصل أعمارهم إلى 68 ومجموعة أخرى تتراوح أعمارهم ما بين 19 و20 عاما، لمجموعة من التجارب حول تذكر قائمة مكونة من 20 كلمة وصورة، وتبين لهم أن كبار السن قدموا إجابات متطابقة مع الصور والكلمات المدونة، حيث أنهم استطاعوا تذكر كل صورة والعبارة المكتوبة بالقرب منها أكثر بكثير من صغار السن، فقد أكدت الدراسة أهمية دور مواقع التواصل الاجتماعي في تحسين الذاكرة خاصة لدى المستخدمين من كبار السن.

كما أثبتت دراسة بريطانية أجريت في جامعة  إكزتر البريطانية، أهمية وفعالية أنشطة مواقع التواصل في تقليل الشعور بالوحدة، فضلا عن مساعدة كبار السن في مكافحة بعض الأمراض المزمنة مرض السكر أو ضغط الدم المرتفع.

وأرجع الباحثون تلك النتائج إلى قدرة التكنولوجيا ووسائل الإعلام الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي في بناء علاقات ناجحة بين كبار السن، حيث أنها نجحت في تقليل المشكلات النفسية والجسدية الناجمة عن شعورهم بالوحدة، كما أن المشاركات النشطة على وسائل التواصل الاجتماعي قللت أعراض الاكتئاب وعددا من الأمراض المزمنة مثل ضغط الدم المرتفع والسكر، حيث ساعدت التكنولوجيا في التقليل بنسبة 72% من شعورهم بالوحدة والاكتئاب والإهمال وعدم الجدوى، وغيرها من المشاعر السلبية الكثيرة.


كما أن كبار السن يعتبرون مواقع التواصل الاجتماعي، منصة لكي يبثون من خلالها أفكارهم وآرائهم الشخصية، حيث يرون أن لديهم خبرات وتجارب لابد من نقلها لجيل الشباب، كما أنهم يشعرون بالتقدير كلما لاقت هذه الآراء إعجابا أو تعليقا، كما يعتبر الإنترنت وسيلة لتفريغ مشاعر الكبار الإيجابية منها والسلبية خاصة فيما يتعلق بالشعور بالوحدة، كذلك يستخدمونه في معرفة مشاعر الآخرين تجاههم خاصة الأبناء المنشغلين عنهم.

وأظهر استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث بواشنطن، تزايد عدد المستخدمين المسنين للإنترنت، بحيث أن ثلث من يتخطى عمرهم الـ65 يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعية، مقارنة بـ6% قبل 3 سنوات، ويمكن الإشارة إلى أن استخدام التكنولوجيا الاجتماعية يدفع إلى توقع مستويات أدنى من الشعور بالوحدة، ويجعل الإنسان أقل عرضة للاكتئاب والأمراض المزمنة كارتفاع ضغط الدم والسكري، وبالتالي تحقيق صحة عقلية ونفسية وعضوية أفضل لكبار السن.

أراء المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي:
ترى "مرفت مصطفى- ربة منزل" أن أستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، هو الأفضل على الأطلاق وذلك لإتاحته التواصل مع الأهل والأقارب والأصدقاء بطريقة أسهل وأسرع، بل ومواكبة كل ماهو جديد من خلال تلك المواقع الألكترونية، فضلًا عن أنّه لا بأس من نشر صور الأطفال، خاصة اللقطات المميزة لهم، وذلك لنشر روح البهجة بين الأصدقاء عند رؤيتها.

وأكدت "دنيا جمال، مدربة كمال أجسام"، أن لا أحد ينكر فضل هذه المواقع في مد جسور التواصل بين أفراد العائلة المتناثرة في مختلف بقاع الكرة الأرضية من لقاء أصدقاء الطفولة والدراسة الذين لم نظن يوما أننا سنعاود اللقاء بهم، إلا أن الإدمان عليها أصبح يضر بعلاقة الفرد بمحيطه القريب.

بينما ترى " منة الله محمد – مهندسة" أن تلك المواقع قابلة للإختراق، لذا لا تعد من أولى اهتماماتها، بل المقابلة الشخصية وجهًا لوجه هي الأفضل، مؤكدة على إنها تتجنّب تماماً نشر الصور الخاصة بها على مواقع التواصل، منوهه عن وجود ضغائن في نفوس البعض، عند إستعراض الأشخاص صورهم أو ممتلكاتهم الخاصة، والتباهي بها.

وتتفق "ألاء أحمد – ربة منزل" مع رأي منه، قائلة:إن الحياة الأسرية، والأسرار الشخصية ليست مشاعاً، وغير قابلة للسرد بين الناس، وذلك لعدم التعرض للابتزاز بسبب تلك الأسرار والمعلومات عن حياتهم الخاصة.

فيما عبرت وفاء فهمي عن غضبها بسبب مايحدث علو مواقع التواصل الاجتماعي، قائلة: حياتي الخاصة وحياة زوجي وأولادي ملك لنا وحدنا لسنا مجبورين بأن نعرضها للآخرين أو نتفاخر، مؤكدة على أن مثل تلك المواقع، دمرت الكثير من البيوت الزوجية، لأن الناس أصابها الهوس والجنون و صارت من الصباح إلى المساء ترسل في الصور في الهواتف الذكية في الانستغرام و السناب و الواتساب والفيس بوك و بأدق التفاصيل.

هدم أسري وتأثير ثقافي:
وفي هذا السياق يوضّح "جمال فراويز- المتخصص في الدراسات والقضايا الأسرية"، أنّ المشكلة الحقيقة التي نعاني منها هي الإنهيار الثقافي، التي تؤدي إلى إنهيار أًسُري، مما ينتج عنه إدمان لمواقع التواصل الاجتماعي من قبل الصغار والكبار على حد سواء، الأمر الذي جعل الشباب والفتيات يسردون تفاصيل حياتهم اليومية سواء داخل المنزل أو خارجه.


كما أشار إلى أهمية اشراك الأهل في الحوار وبناء حوار بناء داخل الأسرة، فضلًا عن ضرورة تثقيف الأبناء حول كيفية استخدام الشبكات الاجتماعيّة، ومدى خطورة سرد المعلومات الشخصية عنهم، التي من الممكن أن تقوم في نهاية الأمر إلى وقوع بعض المشكلات الزوجية أو العائلية، التي تؤدي إلى تزايد حالات الطلاق، والسرقة والنزاعات بين الناس، وقد يصل إلى القتل".

واختتم كلامه قائلًا: يجب عودة نمط الأسرة إلى البيت العربي، وضرورة إيجاد وقت للقاء بين أفراد الأسرة حيث يرث الأبناء عادات وتقاليد الأجداد من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية والاحتكاك والتفاعُل بين مُختلف الأجيال، فالتواصُل الإنساني لا يُضاهيه أيّ تواصُل إلكتروني.

*هل البحث عن العلاقة الوهمية وسد فراغها في العالم الافتراضي، والهروب من العالم الواقعي هو الأمثل؟، هل امتنع التواصل الإنساني المباشر وتحول إلى تواصل وهمي في عالم الكتروني؟، جميعها أسئلة تكشفها لنا الأعوام المقبلة.

الاكثر قراءة