رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

دبلوم على ما تفرج!

9 ديسمبر 2018
إيناس يس

لم تكل "أم سيد" فى كل مرة تأتى لمساعدتنا فى أعمال المنزل من السؤال المعتاد "مالقتيش وظيفة لابنى سيد!"، درس سيد بقسم التبريد والتكييف بإحدى المدارس الفنية ومر على تخرجه حوالى عامين، ومازال يبحث عن وظيفة تناسب مجال تخصصه، ليخفف العبء عن أمه التى تقوم على رعاية ثلاث فتيات غيره بعد انفصالها عن الأب.

أعود بالذاكرة سنوات للوراء عندما شاهدت مدى فرحة تلك السيدة بحصول ابنها على مجموع ٢٢٧ درجة بالإعدادية، وهى تقول "يا أستاذة ثانوى عام إيه، ابنى هيبقى فى إيده صنعه تأكله الشهد!"


سيد ليس الأول على الإطلاق ولن يكون الأخير، فهو نموذج لآلاف غيره درسوا بمدارس التعليم الفنى سواء الصناعى أو التجارى أو الزراعى أو مدارس التعليم السياحى والفندقى وغيرها، تلك الآلاف لا تحارب فقط من أجل الحصول على فرصة عمل، واكتساب المهارات العملية التى لم يوفرها النظام التعليمى الحالى، بل تحارب كذلك فى اتجاه أخر داخل مجتمع سادت به صورة سيئة غير صحيحة فى أغلب الأحيان عن خريج المدارس الفنية، لعلهم يحصلون على فرص مجتمعية وعملية أفضل.

الإحصاءات.. معانى ودلالات
تشير الأرقام الأخيرة  إلى وصول عدد طلاب التعليم الفنى إلى 2 مليون طالب، موزعين على 1300 مدرسة داخل مصر، ما بين 600 مدرسة صناعية، 500 مدرسة تجارية، و150 زراعية، و50 فندقية. ويضم التعليم الصناعى 625 مدرسة على مستوى الجمهورية، بها 21459 فصلًا، بإجمالى عدد طلاب 853724، ويضم التعليم الزراعى 135 مدرسة، بهم 3 آلاف 635 فصلًا، وعدد الطلاب 164167.أما التعليم التجارى والفندقى، فيشمل 587 مدرسة، بإجمالى عدد فصول 13217، وتضم 564774 طالبًا.

وتضم محافظة أسيوط النسبة الأعلى بين محافظات الجمهورية من طلاب التعليم الفنى، لكن القاهرة بها عدد المدارس الأكثر.


تلك الأرقام قد تفاجئ البعض بالأعداد الكبيرة التى تضمها مدارس التعليم الفنى، لكنها مع الأسف سبع "صنايع" تتحدى "المواجع"؛ من نظرة مجتمعية متدنية، فمخرجات المدارس الفنية التى هى مئات الآلاف سنوياً لا تتناسب بأى حال مع الأماكن المتاحة للعمل، وكأن لسان حالهم يقول دبلوم "على ما تفرج"، أو شهادة فى اليد أفضل من لا شئ.
 كذلك لا تشير تلك الإحصاءات إلى أن هناك خطة منظمة للتوزيع بناء على احتياجات كل محافظة من الأيدى العاملة بالتخصصات المختلفة، إلى جانب عدم تناسب عدد المدارس مع عدد طلاب التعليم الفنى فى كل محافظة، وهو أمر يحتاج حتماً إلى المراجعة.

سبل تصحيح الصورة الذهنية المغلوطة
على غير ما هو معتقد فإن الاتجاه إلى التعليم الفنى فى مصر فى تزايد، تسانده جهود الدولة لدعم ذلك النوع من التعليم التى تعتمد عليه معظم الدول ذات الشأن فى الإنتاج والصناعة. وتشير أخر الإحصاءيات أن 53% من خريجى الإعدادية توجهوا لمدارس التعليم الفنى، و47% للتعليم العام، ولعل ما لا يعرفه الكثيرون أن مدارس التعليم الفنى تغطى حوالى ٢٢٠ تخصصاً من التخصصات التى تخدم كافة المجالات الصناعية والمجتمعية، من ثم فخريجو المدارس الفنية قاعدة صلبة تستطيع الدولة الاعتماد عليها فى خطط التنمية والتطوير، فقط إن تم استثمارهم وتدريبهم بشكل جيد.


إننا فى حاجة ملحة لتغيير الصورة الذهنية للمهن الفنية ولدارسى التعليم الفنى، وتبدأ هذه الإجراءات بوضع قواعد قبول وتوجيه الطالب لدراسة ما يناسب قدراته وإمكاناته من العلوم والمهن الفنية المختلفة، وألا يكون الاعتماد فقط على المجموع، ومروراً بضمان تدريب جيد على مدار سنوات الدراسة يؤهل فعلياً لسوق العمل.

فقد سمعنا مراراً شكاوى الطلاب من عقدة "العهدة"، التى تمنع المدرسين من السماح للدارسين باستخدام الماكينات والأدوات المخصصة للتدريب العملى بحجة أنها عهدة وقع عليها المعلمون!.


صحيح أن هناك نسبة من طلاب المدارس الفنية تسببوا بسلوكهم فى تشكيل صورة طالب التعليم الفنى المنحرف، لكن لا يجب أن تكون تلك هى الصورة السائدة، فمنهم على الجانب الأخر رجال بمعنى الكلمة قرروا تعلم مهنة تعينهم أثناء دراستهم على تحمل مصاريفهم، أو ربما أيضاً معاونة أسرهم على المعيشة. بل منهم أيدى ماهرة قادرة على خوض سوق العمل لا ينقصها سوى القليل من التدريب والخبرة.


إن تغيير هذه الصورة السيئة لا يمكن أن يعتمد على جهة حكومية واحدة متمثلة فى وزارة التربية والتعليم أو غيرها من الجهات الرسمية، بل إن الإعلام كذلك عليه دور غاية فى الأهمية، فمثلاً لا يمكننا أن نتذكر فيلماً أو مسلسلاً يبرز نماذج إيجابية للمهنى أو العامل سوى القليل كفيلم "النمر الأسود"، أما معظم الأعمال فهى تجسد العامل الفنى فى صورة الرجل الفقير المغلوب على أمره، أو المنبوذ من أفراد المجتمع، أو الشاب البلطجى سيئ السمعة. فى حين أن الواجب المجتمعى يفرض على أعمال السينما والدراما والبرامج التليفزيونية أن تبرز دور المهن الفنية فى دفع عجلة التنمية والإنتاج الوطنى، وتقديم النماذج الجيدة التى لا شك أنها موجودة بينا.

التعليم المزدوج وتحويل المدارس إلى منتجة
فكرة المدرسة المزدوجة أو نظام المدارس المنتجة قد تساهم كثيراً فى دعم الاقتصاد الوطنى، والاستثمار الجيد لطلاب المدارس الفنية، وقد طالبت لجنة التعليم والبحث العلمى بمجلس النواب  الحكومة بالتوسع فى التعليم المزدوج والمدارس المنتجة فى مختلف أنحاء الجمهورية، بإنشاء مدارس داخل المصانع وبعض الشركات مما يؤدى لتعليم الطلاب مهن وحرف مختلفة وتخرج عمالة ماهرة مدربة، مثل إنشاء ورشة تصليح داخل المدارس الميكانيكية، أومشروعات ورش الأثاث فى مدارس دمياط المشهورة بتلك الصناعة، أو التوسع فى إنشاء مراكز بيع منتجات الألبان والجبن وغيرها فى مدارس التعليم الزراعى.


وتوفر تلك الفكرة محاكاة واقعية للطالب لسوق العمل وخطوط الإنتاج، كما يحصل الطالب على مكافأت مادية وحوافز شهرية مقابل التدريب العملى داخل المصنع، وهو ما يخفف العبء عن أولياء الأمور ويحفز الإقبال على مدارس التعليم الفنى. وهذا يستدعى من وزارة التربية والتعليم عقد بروتوكولات بينها وبين رجال الأعمال وأصحاب المصانع والشركات لتنفيذ تلك الخطط.
وطبقاً لأخر الإحصاءات فقد شارك فى مشروع التعليم المزدوج أكثر من ٤٠ مدرسة فنية وما يقرب من ٤٠ ألف طالب في التخصصات الفنية، يتدربون في أكثر من ٣٠٠٠ منشأة تدريبية في مختلف المحافظات.


 ومن النماذج المشرفة التى افتتحها الدكتور طارق شوقى وزير التعليم أكاديمية السويدى وهى الأولى فى الشرق الأوسط، من حيث المنهج الدراسى المأخوذ من ألمانيا، ومدة الدراسة بها ثلاث سنوات يدرس فيها الطالب الكهرباء بشكل جديد وفقًا للنظام الألمانى.

وترتكز المدرسة على السلوك والتنمية البشرية، ويمنح الطالب زياً خاصاً بالمدرسة وتتحمل الأكاديمية تكلفة نقله من وإلى المصنع للتدريب العملى، وللطالب وجبتان إفطار وغداء. وبها يحصل الطالب على راتب شهرى 300 جنيه للصف الأول و400 جنيه للصف الثانى و500 جنيه للصف الثالث، الجديد بها أنه لابد للطالب المتقدم أن يتجاوز مجموعة كبيرة من الاختبارات النفسية والطبية والجسدية والعقلية، أما المدرسون فجميعهم خريجو كلية الهندسة وتم تدريبهم فى ألمانيا بالإضافة للاستعانة بمستشار من ألمانيا لمتابعة عملية الدراسة بالأكاديمية. ولنا أن نتخيل الطفرة الصناعية التى قد تحدث بمصر إن سارت سائر المؤسسات الصناعية على نفس النهج.

المستقبل للمهن الفنية
الحقيقة أتابع بكل شغف قصص نجاح الشباب الذين اتجهوا للعمل بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، معظمهم تخلى عن مقولة "إن فاتك الميرى.. اتمرغ فى ترابه"، بوعيهم أن المستقبل بات للأعمال الحرة أكثر منه للوظائف الحكومية. قرأت يوماً عن قصة شاب يبلغ ٣٢عاماً تخرج فى كلية التجارة، لكنه بعد سنوات من التخرج لم يجد نفسه فى العمل الحكومى الروتينى، فقرر الاستغناء عنه ودرس علوم الإلكترونيات والكهرباء، التى أهلته بعد ذلك لفتح ورشة صيانة خاصة به، ثم حالياً هو صاحب مصنع، وقرر أن ينصح أبنائه فيما بعد بدراسة الثانوى الصناعى ليعاونوه مستقبلاً  فى مشروعه. لقد بات المستقبل للمهن الفنية وليست المكتبية كما كان الحال على مدار سنوات مضت، بل أصبحت التكنولوجيا الحالية تهدد الوجود البشرى نفسه فى كثير من المهن، وعلينا أن نعى ونواكب ذلك التطور بتغيير نظرتنا لدراسة التعليم الفنى، وبتغيير مناهج عدة بات الجزء النظرى بها أشبه بمخطوطات أثرية لا وجود لها فى الواقع العملى.

 

الاكثر قراءة