رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

ياما في الحبس مظاليم..محمد أشرف العطار:قضيت 26 عاماً في السجن بسبب جريمة قتل لم أرتكبها

2 ديسمبر 2018
محمد شعبان

تصوير: محمد عبد المجيد

 

مسرح الجريمة.. حفلة تنكرية لشباب أشبه بعبدة الشيطان في شقة بجاردن سيتي سنة 1984
اخترت طريق المثقفين بالسجن وحصلت على ليسانس في الآداب وآخر في الحقوق ودبلومة في نظريات الجريمة والعقاب الغربية
المجتمع لفظني وأشقائي تهربوا مني وأعاني أمراضا عديدة وليس عندي مسكن
لم أحصل على شهادة الإفراج حتى الآن.. والفيش والتشبيه يمنعني من الالتحاق بأي عمل شريف
شكوى على الفيسبوك كانت سببا في الإفراج عني
عندما خرجت شعرت بأنني من أهل الكهف وأن دنيتي كانت داخل السجن



بين الجريمة والعقاب هناك تفاصيل إنسانية تتعرض للنسيان وسط طيات الملفات والأوراق ومنطوق الأحكام.. هناك نماذج لأشخاص أوقع بهم القدر وسوء الحظ والقسمة والنصيب في شباك الجريمة فكان الثمن سنوات طويلة من العمر يتم دفعها خلف البوابة السوداء.. هذه الكلمات هي خلاصة واحدة من أغرب القصص التي يمكن أن تسمعها.. إنها قصة محمد أشرف العطار، الذي قضى 26 عاما في غياهب السجون في جناية قتل.. علما بأنه لم يكن هو القاتل.. هذه القصة تعود تفاصيلها لعام 1984 حين شهد حي جاردن سيتى واقعة مقتل شابين داخل حفلة تنكرية بإحدى الشقق.. الجاني الحقيقي أفلت من العقاب، أما صاحب هذه القصة فقد ناله نصيب عظيم من العقوبة..  وعندما خرج من السجن بعد كل هذه السنوات وجد كل الأبواب مغلقة في وجهه حيث أدرك بعد فوات العمر أن السجن كان دنيته! هذه القصة تفتح ملف الخارجين بعد "التأبيدة" وكيف يستقبلهم المجتمع.. التفاصيل في السطور التالية..    


حفلة تنكرية
في البداية سألته: كيف تورطت في ارتكاب جريمة بهذا الحجم.. وهل كانت لديك دوافع معينة لارتكابها؟.. التقط أنفاسه الحارة ليسترجع تلك الأحداث التي وقعت قبل 34 سنة، ثم استعاد ذاكرته، ليقول: "في البداية لم يكن هناك دافع محدد لارتكاب الجريمة، أنا كنت شاباً صغيرا، عمري 18 سنة وكنت أعمل بشركة سياحة، كان ذلك عام 1984، وكانت حياتي مرفهة، ولم يكن لدي ميول إجرامية، لكن ما حدث أنه كان عندي زملاء في مجال السياحة، وحدثت مشكلة بين أحد الزملاء وبين البنت التي كان مرتبطا بها، حيث تركت الفتاة هذا الشاب ونقلت علاقتها لشاب آخر أكثر ثراء حيث كان ابن دبلوماسي مصري كبير في هذه الفترة، فحدث استفزاز متبادل لدرجة أن الشاب الثري استدرج زميلي وقام بالاعتداء عليه

وهذا الاعتداء نتج عنه كسور وإصابات.. في هذا الوقت كان صديقي يخطط لرد اعتباره، وفي يوم من الأيام اتصل بي أنا وصديق آخر، وكان هذا الزميل يعيش في إيطاليا ويبدو أنه اكتسب خبرة في التخطيط للجرائم، وكان يخطط ويفكر وأنا مجرد أداة يستخدمها لتنفيذ جريمته، فقال لنا إن هناك حفل عيد ميلاد شبابي سيحضره الشاب الثري والبنت التي كان مرتبطا بها، وطلب منا أن نذهب متنكرين، فالحفلة كانت شبه تنكرية، وأحضر لنا ماسكات، وفي هذا الوقت كان هناك نوع من أنواع الحبوب المخدرة تسمى "ماتانول" وهي كانت ضمن جدول المخدرات وأعطانا إياها ولم نكن نعلم السر وراء هذه الأقراص المخدرة، وهي شبيهة بـ "الاستروكس"، هذه المادة كانت تعطي دفعة شجاعة زائدة!

فاكتشفت أنني كنت تحت تأثير هذه المادة، المهم ذهبنا للشقة وسيطرنا على الحفلة، وكانوا مجموعة من الشباب أشبه بمن يطلق عليهم "عبدة الشيطان" الذين تم القبض عليهم في قصر البارون، هم كانوا من هذه النوعية الخطيرة، المهم كان هدفنا أن نؤدبهم فقط، ولكن زميلي كان معه "طبنجة وولتر ألماني" وقام الزميل بقتل اثنين من الشباب واغتصاب الفتاة. وكان دوري أنني زميل الفاعل أو مرافق له أو شريك في تنفيذ الجريمة، مع أنني لم أشارك في القتل ولم أشارك في الاغتصاب وإنما ضربت فقط، وكان هذا هو الهدف".


الجاني الحقيقي .. هارب من العدالة
المؤسف في هذه القضية أن عدالة السماء لم تهبط حتى الآن على الجاني الحقيقي الذي أفلت من العقاب بتدبير شيطاني، حيث يواصل محمد أشرف حديثه قائلا: الجاني الحقيقي أفلت من العقاب حيث إنه كان حاجزا لتذكرة سفر لإيطاليا ليلة وقوع الجريمة، وبعدما نفذنا ونزلنا من الشقة وأوهمنا بأننا ملثمون ومتنكرون، قال لنا إنه سيهرب إلى الإسكندرية، في حين أنه كان يجهز حقائبه للسفر إلى روما قبل اكتشاف الجريمة، هذا الشاب جلس فترة في إيطاليا وانتقل إلى باكستان.. وهناك فتح شركة استيراد وتصدير وأصبح رجل أعمال كبير، وأنا أخذت أشغال شاقة مؤبدة وزميلي الثاني أخذ أشغال شاقة لمدة 15 سنة، أما الجاني الحقيقي فأخذ أشغال شاقة غيابي أيضا وضبط وإحضار، وكان الحكم بهذا الشكل من أجل أن يعود لينال جزائه بالإعدام..

طبعا وأنا في القفص أصبت بصدمة عصبية وأخذت جلسات كهرباء وتماثلت للشفاء بعد عامين من الحكم.. وكان أمامي طريقان إما أن أسير في سكة المثقفين ومن يكملون تعليمهم في السجن، وإما أسير في سكة المجرمين من معتادي الإجرام فاخترت الطريق الأول،  وطبعا أنا كنت حاصلا على دبلوم سياحة وفنادق قبل السجن، وبدأت أكمل دراستي فأخذت دبلوم صنايع قسم كهرباء، وأخذت ثانوية عامة لجنة ليمان طرة، ثم انتسبت لكية الآداب جامعة الزقازيق وحصلت على ليسانس آداب قسم تاريخ، ثم انتسبت لكلية الحقوق جامعة أسيوط وحصلت على ليسانس حقوق، كما عملت دبلومة في كلية الحقوق وتخصصت في مادة الإجرام والعقاب، لأنني عايشت العقاب، وكل نظريات العقاب درستها ومنها نظرية لامبروزو وكلها نظريات غربية لكن لدينا واقعا مختلفا، ومجرمين بأشكال ومواصفات تختلف عن النظريات الغربية، فكنت أريد أن أعمل مقارنة.

وأنا في الحقيقة قضيت فترة عقوبتى متنقلا بين كافة السجون، بدءا من ليمان أبو زعبل، ثم ليمان طرة عنبر 2، ثم كسرت حديد بلغة السجون بمعنى قضيت فترة الأشغال لغاية 15 سنة، وكانت الأشغال في الماضي أكثر قسوة حيث كان السجين يسمى مذنبا، وكانوا يضعون القيود في أرجله وينزل الجبل ليقوم بتكسير الأحجار كنوع من العقاب، ومن حسن الحظ أن هذا النظام ألغي قبل أن أدخل السجن ببضع سنوات، حيث ألغى الرئيس السادات هذه العقوبة، وتم استبداله بورش النسيج والحدادين والنجارين، والعمل بهذه الورش يكون إلزاميا، والسجن الذي كان المذنبون يكسرون فيه الأحجار تم هدمه وأقيم على أنقاضه عنابر للحبس الانفرادي، وأنا شخصيا كنت مقيما مع النزلاء من الدارسين، وكنت أقوم بأعمال كتابية.


رسائل المشاهير!
المثير للدهشة في قصة محمد أشرف، هي مدة العقوبة.. حيث إنه يعد أحد السجناء القلائل الذين حطموا الرقم القياسي في عدد سنوات الحبس.. هنا سألته: كيف تحملت طاقتك النفسية كل هذه المدة؟.. أجابني قائلا: المفروض أنها مشكلة صعبة لأغلب المساجين، لكن بالنسبة لي كانت مسألة سهلة لأن الله ألهمني كيف استنفد الوقت، فأنا كنت مسئولا عن مكتبة السجن، فقضيت معظم الوقت بين الكتب، وقرأت في الثقافة الدينية والأدب والروايات.. قرأت أعمال أنيس منصور ويوسف السباعي ويوسف إدريس ونجيب محفوظ.. عشت بين فصول أولاد حارتنا والثلاثية.. استنفدت وقتي في الثقافة، هذا بالإضافة إلى الاشتراك في الجرائد، وكنت مسئولا عن اشتراكات الجرائد في السجن أيضا وكنت أوزعها على الناس فكنت أتصفحها يوميا، وكنت أراسل مشاهير المجتمع في مجال حقوق الإنسان والصحافة والأدب، وبعض هؤلاء المشاهير تجاوبوا معي..

وراسلت الأستاذ عبد الوهاب مطاوع حين كنت أفكر في تأليف كتاب عن حياتي في السجن، فرد علي قائلا: أرجو ألا تكتب عن سلبيات السجون وإنما اكتب عن الإيجابيات.

كما راسلت الفنانة أنغام في بداية حياتها لأنها جاءت زيارة لأحد المساجين وتركت له مبلغا من المال، لكنها ردت علينا وأبدت تعاطفها معنا بشكل إنساني. وخلال حياتي في السجن فقدت أعز الناس فوالدي الذي كان يعمل محاسبا توفي سنة 1993، ووالدتي توفيت سنة 2006، وإخواتي انقطعوا عن زيارتي في السجن، وخالي جاء لزيارتي بعد 20 سنة.. لهذه الأسباب كان السجن هو عالمي الخاص.


البوابة السوداء
 ويسترجع محمد أشرف جانبا من الحياة داخل السجن، ليؤكد لنا أن السجن ليس كما تصوره الأفلام، فما تنقله السينما عن حياة المساجين غير واقعي بالمرة، أفلام أحمد السبكي مثلا كانت مشهورة بيننا وكنا نشاهدها باستغراب، هذا الكلام كان موجودا أيام فريد شوقي والعسكري 1313 و30 يوم في السجن، لكن اليوم لا توجد هذه المشاهد، لأن كل مسجون عامل كومندا على نفسه ولا يوجد أيضا كبير أو زعيم. أيضا عبارة "ياما في السجن مظاليم" لها واقع مختلف: 75% من المساجين قد يكونوا مظاليم في القضية التي بمقتضاها دخلوا السجن، لكن نفس هؤلاء المساجين ارتبكوا جرائم وأخطاء كثيرة قبل هذه القضية ولم يحاسبوا عليها، بمعنى أن الله أراد أن يعاقبهم عن جرائم الماضي، أي يحاسبهم عما فات..

فأنا مثلا عندما كان يقول لي مسجون: "أنا محبوس ظلم"، كنت أستدرجه فيسترسل ويحكي لي عن سجله الإجرامي الذي لم يحاسب عليه، أما الـ25% من الباقين فمنهم من دخل بسبب دعوى من أمه أو ظلم أحد فربنا أراد أن يذيقه الظلم.. وهذا بالنسبة للأحكام الخفيفة.. لكن في الأحكام الكبيرة والتأبيدة لم أجد مظلوما في السجن.


إفراج من الفيسبوك!
26 سنة قضاها محمد أشرف داخل السجن، متجاوزا فترة العقوبة الأصلية، والسبب يحكيه قائلا: الأشغال الشاقة المؤبدة ليست 25 سنة، وإنما حسب المنطوق هي مؤبدة أي ليس لها أجل ولكن المشرعين عندما أصدروا القانون قاموا بتحديد المدة وشروط الإفراج الشرطي في أحكام المؤبد، فالمفروض أن يعرض المسجون على لجنة أمنية مكونة من 4 مفتشين من الأمن العام وأمن الدولة والمخدرات والسجون للنظر في أمر الإفراج بعد قضاء 18 سنة في الحبس، وعُرضت على لجان أمنية عديدة ورفضوني لأسباب ما فراسلت عدة جهات وكتبت في الصحافة، فانقلبت الداخلية

وقرروا أن يسمحوا لي بإجازة من السجن لزيارة والدتي المريضة بالمستشفي وكانت تلك هي أول مرة أرى فيها الحياة بعد 20 سنة، وعندما رجعت نقلوني لسجن القناطر وهو من السجون الفاخرة، ورغم ذلك ظللت أنتقل بين السجون، وعندما وصلت لـ 26 سنة، استعنت بأحد زملائي وطلبت منه أن يساعدني وأمليت عليه صيغة شكوى فنشرها على الفيسبوك وأحدثت ضجيجا، وكان ذلك بعد أحداث المحلة، فبعد نشر الشكوى، تلقت مصلحة السجون أمرا بخروجي من السجن بشكل مفاجئ بتاريخ 10 أبريل في 2010.
أهل الكهف
عندما خرج محمد أشرف من السجن وجد الحياة مختلفة، حيث انتقلت به آلة الزمن لعالم آخر لم يكن هو جزءا منه.. حيث يصف المشاهد الأولى التي رأى فيها العالم بعد خروجه، قائلا:  لم أستطع أن أفتح عيني على الحياة، فالشوارع تغيرت والموضة أيضا تغيرت وملابس الناس وملامحهم لم تعد كما كانت.. كنت أشبه بأحد أهل الكهف الذي عادوا من عالم آخر.. حتى أن بيتنا لم أتعرف عليه، وكنت أتطلع للحياة من سيارة الترحيلات..

وتعجبت عندما رأيت شارع شبرا وقد تغير بهذا الشكل.. فكنت أسير مثل التائه.. المشكلة لم تكن في ذلك وإنما في نفوس الناس التي تغيرت.. ومن سوء حظي أنني لم أجد أحدا قريبا مني، فالوضع كان صعبا بالنسبة لي، فلم يقف أحد بجواري ومن ثم لم أستطع أن أستأنف حياتي.. "واللي من غير أم حالته تغم".. فأشقائي تركوني وحيدا، وأقاربي أغلقوا أبواب الرحمة في وجهي..

فشعرت فجأة أنني أسبح ضد التيار وأن "دنيتي هي السجن" وتمنيت العودة إليه .. فكنت في السجن مرتاحا ولي وضعي وكنت أشعر بقيمتي وكان النزلاء يقدرونني.. ومع الأسف حتى شقيقي خذلني وهو يشغل منصبا كبيرا في إحدى شركات الطيران، وهو شقيقي الأصغر الذي حملته على كتفي وهو طفل.. وكنت أحمله على صدري وأنزل به الشارع، حتى لا يشعر بالخلاف الذي كان بين أبي ووالدتي .. هذا الأخ أكل ورثي.. فاستولى عليه.. وسعيت كثيرا للتواصل معه، ولفظني ورفضني.


شهادة إفراج


8 سنوات خارج السجن قضاها في البحث عن ذاته دون جدوى، حيث يقول: أول ما خرجت فكرت أن أعمل مدرسا في مدارس خاصة، أومشرف أمنى ، ولكن في كل مرة كنت أصطدم بعقبة عدم وجود الأوراق الرسمية مثل الفيش والتشبيه، وهذه كانت العقبة الأساسية لأن وزارة الداخلية ترفض إصدار الفيش لأي مفرج عنه رغم أن هناك مادة قانونية تلزمهم بذلك، أيضا هناك مؤسسات خيرية لم تستطع أن تساعدني لأنها طلبت مني"جواب الإفراج" من السجن، وهذا الخطاب فشلت حتى الآن في استخراجه لأن سجن 440 تعرض للحرق خلال 25 يناير وضاعت أوراق المساجين، أي أنني رسميا مازلت مسجونا،

وبذلت محاولات مضنية مع شئون المساجين بمصلحة السجون لاستخراج هذه الشهادة دون جدوى، ولذلك أناشد وزارة الداخلية أن تنظر لي بعين العطف، وأن أحصل على هذه الشهادة حتى أجد من يساعدني، فقد خرجت من سجن صغير إلى سجن أكبر. وإذا كنت أخطأت بشكل مباشر أو غير مباشر ودفعت 26 سنة من عمري ولم أقضهم في الإجرام، وإنما قضيتهم في العلم والثقافة.

الاكثر قراءة