رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

التعليم الفنى .. مسار إجبارى

21 نوفمبر 2018
إيناس يس

حلمه بأن يصبح "أسطى" ذات حرفة ومهنة تميزه فى مجتمع بات أعداد خريجى التعليم العام به تفوق قدرة أى دولة على توفير فرص عمل جيدة، وشغفه بأن يصبح فناناً فى صنعته فى مجتمع أصبحت الفهلوة سمته، أو ربما رغبته بأن يصل إلى أكثر من ذلك ويحصل على بكالوريوس الهندسة فى تخصصه، كان دافعاً لذلك الصبى الذى اختار بإرادته ورغبته أن يلتحق بمدرسة التعليم الفنى.

ليس فقط تدنى المجموع هو السبب وراء التحاق طلاب المدارس الفنية بها، بل أعداد كبيرة من أبناء تلك المدارس يكون ذلك خيارهم، ظناً منهم أن نظرة المجتمع قد تغيرت تجاه المهن الفنية والصناعية، إلا أن الندم غالباً ما يرافقهم عند أولى خطواتهم العملية.

لقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى 2019 عاماً للتعليم فى مصر، خلال حضوره فعاليات الجلسة الختامية للمؤتمر السادس للشباب والذى عقد بجامعة القاهرة، وإن كان الحديث فى وسائل الإعلام أو حتى فى الأوساط الأخرى يتناول خطط الحكومة للنهوض بالتعليم العام ما قبل الجامعى، إلا أن الكثيرين لم يعيروا نفس الاهتمام إلى خطط الوزارة لتفعيل تغيير جذرى وجرئ لنظام التعليم الفنى.
وفى بلد نامية كبلدنا لا يمكن تطبيق منظومة تعليمية ناجحة دون أن يكون التعليم الفنى جزءاً أساسياً فيها، حيث أصبح خيار تطوير التعليم الفنى مساراً إجبارياً فرض على الدولة أن تسير فيه إن كانت تريد بالفعل إحداث النمو الاقتصادى والصناعى المرجو، وهو ما فعلته كل الدول التى أحدثت نقلة اقتصادية حقيقية خلال النصف قرن الأخير على الأقل.

فنجد أن 20% فقط من طلاب  المانيا - رائدة الدول الصناعية الأوربية-  يلتحقون بالتعليم العام، أما 80% فهم يلتحقون بالتعليم الفنى. ففى ألمانيا وبعد انتهاء مرحلة التعليم الإبتدائى، يحدد مستوى أداء الطلاب فى امتحان نصف العام من السنة الرابعة الابتدائية، الاتجاه الذى سوف يسلكونه بعد ذلك فى حياتهم، إذ ينتقلون إلى مدارس تكميلية، وهناك أربعة أنواع أساسية من المدارس التكميلية في مجال التعليم الفنى وهى المدرسة الرئيسية والمدرسة العملية (الفنية) والنظام الثنائى والمعاهد التخصصية العليا، وتجتمع تلك الأنظمة الأربعة على هدف رئيسى وهو ربط الدارس بسوق العمل، بل إن مدرسى هذه المعاهد من ممارسى المهن نفسها فى الغالب، بالإضافة إلى أن الطالب يحصل على فرصة تدريب لمدة فصل دراسى كامل فى إحدى الشركات أو المصانع التى تتماشى مع طبيعة دراسته.

وبالنظر إلى تجارب دول أجنبية أخرى حاربت البطالة وسعت إلى النمو وتحسين اقتصادها عبر دمج التعليم الفنى بمجالات العمل والصناعة، تأتى الهند لتكون بلد رائدة هى الأخرى فى محاربة البطالة بالتعليم الفنى، من خلال الاهتمام بمستويات التدريب المهنى وإدخال منظومة التعليم المفتوح لضم المزيد من الشباب الراغبين فى اكتساب مهارات العمل الفنى والتقنى.

ولا عجب إن وجدنا دولة مثل كوريا الجنوبية قد خصصت ميزانياتها بالكامل فقط من أجل تطوير التعليم، رغم ما عانته من ويلات الحروب فى فترة ما بين عامى 1950- 1953، وانتقلت فى خلال ثلاثة عقود فقط إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة باعتمادها على ما يسمى "تمهين التعليم" وهى المنظومة الرئيسة التى تمد المصانع والشركات بالأيدى العاملة المدربة والمجهزة، خاصة فى مجالات المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا والهندسة بكل فروعها.

ويلتحق حوالى 35% من الطلاب بالتعليم الفنى والذى يقوم على تعليم أكاديمى في نصفه تقريبًا وتعليم مهنى في نصفه الآخر، على جانب أخر اهتمت كوريا الجنوبية بإنشاء عدد من مدارس التدريب المهنى النموذجية التى تتطلب الدراسة بها عادة جانبًا عمليًا فى الشركات لإكساب الطالب المهارات اللازمة لسوق العمل. ولا ينتهى الأمر عند مرحلة ما قبل التعليم الجامعى، بل إن كوريا الجنوبية أنشئت مزيد من الكليات المهنية تكون مدة الدراسة بها بين 2-3 سنوات وتصل إلى حوالى 150 كلية حكومية وخاصة.

كل تلك التجارب وغيرها يجب دراستها بعناية شديدة من قبل المتخصصين المهتمين بقضايا التعليم وتقديم رؤية مختلفة وشاملة لمستقبل التعليم والتدريب الفنى والمهنى، فتلك الدول الأجنبية لم تعتمد على خطط صعبة التنفيذ ولكنها كانت فقط جادة فى تطبيق رؤيتها.

 فإذا بحثنا عن أهم معوقات التعليم الفنى فى مصر نجدها تنحصر فى أربعة محاور رئيسية أولها النظرة السلبية لخريجى المعاهد الفنية داخل المجتمع المصرى؛ حتى أدت تلك النظرة إلى أن أصبح العامل أو الفنى الماهر عملة نادرة تبحث عنه المصانع والشركات كما لو كانت تبحث عن إبرة وسط كوم من القش، وفى المقابل أصبح هناك آلاف الخريجين من التعليم العام لا يضيفوا سوى أعداد جديدة للبطالة. ولن تتحسن تلك الصورة إلا بمنظومة جديدة كليا

وهو ما أعلن عنه الدكتور أحمد الجيوشى، نائب وزير التربية والتعليم من خلال تحديث وتطوير مناهج جديدة تتواكب مع سوق العمل، ونأمل أن يتأتى هذا بما نرجوه جميعاً وأن يكون التغيير فعلياً بدءاً من مسمى المدرسة، بألا تظل مسماها مدرسة فنية كوسيلة لإبعادها عن الصورة النمطية السيئة المنتشرة فى المجتمع المصرى، كما فعلت بعض المدارس مثل مدرسة الضبعة النووية، وبأن تتفرع إلى تخصصات أكثر دقة وحداثة كالعلوم الإلكترونية والعلوم النووية وعلوم الطاقة المتجددة.. الخ، وانتهاءا بتقديم فرص عمل جيدة لخريجى تلك المدارس.

أما ثانى العوامل التى تمثل عائقاً أمام تطور منظومة التعليم الفنى فهى العمل فى جزر منعزلة بين الوزارات والهيئات المهتمة بمجالات التعليم الفنى، فهناك5  وزارات بها مدارس ومعاهد فنية هى التربية والتعليم والتعليم العالى والتجارة والصناعة لديها الكفاية الإنتاجية والإسكان لديها مدارس الصرف ومياه الشرب، والإنتاج الحربى، والنقل كذلك لديه مدرسة فى السكة الحديد.

وربما تنال فكرة ضم عدد من المدارس الفنية لوزارات أخرى بخلاف وزارة التربية والتعليم لعدد من الإنتقادات لكنها كذلك ربما تكون فكرة خارج الصندوق طرحها بعض الإعلاميين والمتخصصين، كطوق نجاة لتلك المدارس؛ فوزارة الإنتاج الحربى على سبيل المثال أثبتت نجاحها وكفاءتها فى إدارة المدرسة الثانوية للتعليم المزدوج الحاصلة على شهادتى الأيزو وجودة التعليم،  والتى تؤهل الطالب مباشرة لسوق العمل.

وتستطيع أيضاً وزارتى التجارة والصناعة والاستثمار تفعيل ذات الفكرة بنفس الكفاءة، بل أذهب إلى ما أبعد من ذلك لأقول بما أنه لا يوجد وزارة تخلو من الفنيين، فعلى كل وزارة أن تنشأ مدارس للتعليم الفنى تابعة لإدارتها تخدم أنشطة وإدارات الوزارة، بشرط أن تخضع كل تلك المدارس لنظام "الحوكمة" بإشراف جهة تنظيمية واحدة فى  نهاية الأمر حتى يعمل الجميع داخل منظومة ثابتة.

وتأتى مسألة الجودة لتمثل عائق جديد أمام مناهج وأساليب التعليم فى المدارس الفنية، فسوء حالة المعامل والورش وأماكن التدريب بتلك المدارس أو عدم استثمارها وتوظيفها بالشكل الصحيح، وندرة الوسائل االتعليمية، بالإضافة إلى عدم ربط المناهج الفنية بتطورات واحتياجات السوق وعدم تحديثها، إلى جانب التدريب الغير كافى للمعلم والطالب، كل هذا أدى إلى تراجع جودة ومستوى التعلم.

ويكفى ما كشف عنه تصنيف البنك الدولى لجودة التعليم الفنى، والمعروف بمؤشر تأهيل القوى العاملة، من تراجع لأداء التعليم الفنى المصرى، ليضعنا فى بداية التصنيف الثانى من بين 4 مستويات "نائم وناشئ ومستقر ومتقدم" كدولة ناشئة تحتاج المزيد من الجهد، حتى يتم تغيير تصنيفنا إلى التصنيف الثالث المستقر.

كل هذا يمكن إصلاحه بوضع مناهج تلائم التطورات التكنولوجية والتقنية المتلاحقة، بالإضافة إلى التوسع فى التعليم المزدوج بمشاركة القطاع الخاص والمجمعات التكنولوجية الحديثة.

إن مسألة الجودة تقودنا تلقائياً للحديث عن ضعف الإمكانيات حيث ترصد الحكومة لميزانية التعليم الفنى قيم لا يمكن مقارنتها بميزانية التعليم العام، فمدارس التعليم الفنى والمهنى التى يمثل طلابها ٦٤٪ من طلاب التعليم الثانوى ميزانيتها لا تتعدى مليارًا ونصف المليار جنيه موزعة على ألفى مدرسة إضافة إلى ٦٠٠ مركز تأهيلى فنى بالإضافة إلى مشكلة حصر الميزانية فى عام مالى واحد، وهو ما لا يسمح بإنجاز كل الأعمال والمنشئات الموضوعة فى خطط تطوير الوزارة.

ما سبق لا يعنى أن الصورة قاتمة، بل إن هناك عدد من النماذج المضيئة التى تخرج بمنظومة التعليم الفنى إلى أفاق جديدة منها مدرسة الضبعة بمطروح التى تؤهل طلابها للعمل بالمحطات النووية، والمدارس اليابانية ببورسعيد التى تقوم على أسس التجربة اليابانية "التوكاتسو" والتى تهتم بالسلوكيات وقيم العمل الجماعى، والمدرسة الفنية المتقدمة لتكنولوجيا الصيانة بمدينة نصر والتى تحظى بسمعة طيبة، ومدرسة السويس الفنية المتقدمة والتى توجه 4 من طلابها مؤخراً للمشاركة فى مسابقة "الأولمبياد العالمية للروبوت" بعد أن حققوا مراكز متقدمة فى مسابقات عالمية.

لقد وضعنا أيدينا على أبرز أسباب تدهور حال التعليم الفنى، وحاولنا  تقديم بعض المقترحات والرؤى المبنية على تجارب أخرى ناجحة أو على وجهات نظر بعض المتخصصين فى الشأن التعليمى.

فقط ما نحتاجه هو الوقوف على المسار الصحيح، وفق معايير دولية تستطيع استثمار 2 مليون طالب هم عدد الدارسين بالتعليم الفنى ليكونوا قاعدة اقتصادية قوية لخطط التنمية التى تسير عليها الدولة حالياً بما يتفق والأهداف الأممية للتنمية المستدامة، من إتاحة التعليم وفق معايير الجودة العالمية وتحقيق العدالة في تقديم التعليم وتكافؤ الفرص، وتنافسية المؤهلات والخريجين عالمياً.

الاكثر قراءة