رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

بعد 33 عاماً نسرين طردت أمها

13 نوفمبر 2018
وليد فاروق محمد

في يونيو 1985 التقط الصحفي ماهر عطار صورة أصبحت رمزاً لأكثر مشاهد خلال الحرب الأهلية اللبنانية مأساوية ، ظهرت فيها الشابة سمر بلتاجي بقدم واحدة وبجانبها ابنتها نسرين والتي تُعاني أيضاً من إعاقة بقدمها نتيجة تعرض المخيم الذي كانوا يقيمون فيه للتفجير ، كل واحدة منهما كانت تتكئ علي عكاز خشبي ومن ورائهما يظهر المخيم مدمراً ، الصورة وقتها تفاعل معها الملايين حول العالم..ثم انتهي المشهد ونسيهم الجميع ، ومرت 33 سنة ومنذ شهور بسيطة كان الصحفي يتجول في بيروت

وبالصدفة وجد سمر تجلس على كرسي متحرك وتتسول من المارة ، ملامحها تغيرت وذهب جمالها ومعه قدمها الأخرى ، أقترب منها وعرف أنها لم تجد أمامها سوى أن تمد يدها لتوفر ثمن اللقمة لأبنتها وإيجار مسكنها المتواضع ، ومنذ 12 عاماً أخبرها أحد الأطباء بأنه يمكن لأبنتها أن تمشي إذا تبرعت الأم لها بغضروف من ساقها السليمة ، ولم تتردد سمر لأن حياة ابنتها بقدمين سليمتين أفضل عندها من حياتها هي بقدم واحدة ،وبالفعل تخلت عن قدمها وكانت فرحتها لا توصف وهي ترى ابنتها تمشي أمامها لأول مرة ، وواصلت سمر التسول في الشوارع حتى توفر مصروفات تعليم أبنتها والتي بمجرد تخرجها وحصولها علي عمل كان قرارها الأول هو ..

طرد أمها إلى الشارع والتبرؤ منها لأنها " متسولة " ، ومنذ 4 سنوات تختفي سمر وسط زحمة الناس في الشوارع نهاراً ثم تذهب بالكرسي وتنام ليلاً في مداخل العمارات ، والعبرة من القصة أن الصورة غالباً تساوي " ألف كلمة " ولكن هناك استثناءات تبدو معها اللقطة وكأنها " مضللة " إذا شاهدتها بدون كلمات لشرح ما حدث قبلها وبعدها ،إسرائيل مثلاً تفخر بصور تم التقاطها عام 1960 لعمال الشحن بميناء نيويورك بعدما نجحت الدعاية اليهودية في إقناعهم بمقاطعة تفريغ إحدى السفن المصرية للضغط علي الرئيس عبد الناصر، لكن الصورة هكذا " مضللة "

لأنه بعد ذلك ذهب الرئيس عبد الناصر لمبني الإذاعة وحكي الواقعة وطالب إتحاد عمال الموانئ العربية بالرد ، وفي غضون ساعات كانت 80 سفينة أمريكية معطلة  في كل الموانئ العربية بعدما رفض العمال شحن وتفريغ محتوياتها ، وكانت النتيجة أن بول هول رئيس نقابة عمال البحر الأمريكيين أمر بإنهاء الحصار المفروض على السفينة المصرية وتفريغ محتوياتها ، والصورة تجسيد لحظة من الزمن .. ربما تغني عن كلام كثير ، لكن السؤال المهم : وماذا حدث بعد هذه اللحظة ؟!  فمن يقول أن مارلين مونرو وداليدا ومارجو همنجواي التي تشع صورهم حيوية وعشقاً للحياة جميعهم انتحروا يأساً واكتئاباً ..

تماماً كما حدث للمصور الشهير كيفين فارتر صاحب الصورة الأكثر تأثيراً في العالم عام 1993 ويظهر فيها نسر يقف منتظراً علي الأرض لينهش ما تبقي من طفلة صغيرة تعاني من المجاعة بجنوب السودان،وبسبب الهجوم عليه لأنه لم يحاول إنقاذ الطفلة انتحر كيفين بعد هذه الصورة بفترة قصيرة ، ولا ننسي مصور الفيديو الياباني كينجي ناجاى الذي نشر للعالم تسجيلاً لحملة عنيفة شنتها الحكومة على المتظاهرين في ميانمار ، لكن الذي لا يعرفه كثيرون أنه كان يقوم بعمله وهو ملقى على الأرض عقب إطلاق النار عليه .. وقد توفي لاحقاً متأثرًا بجراحة 

ومهم فعلا أن تسأل نفسك عندما تشاهد أي صورة : وماذا حدث بعد ذلك ؟! مثلاً المصور هازل بريانت ألتقط صورة شهيرة عام 1957 لإليزابيث إيكفورد وهي تذهب للمدرسة باعتبارها أول طالبة سوداء يسمح لها بدخول المدرسة في أمريكا ، كانت تبدو خائفة وهي تحتضن كتبها ومن ورائها تبدو فتاة شقراء تصرخ غضباً من وجودها ، والحقيقة أن إليزابيث تفوقت في دراستها وخدمت في الجيش الأمريكي وعملت صحفية ومراسلة عسكرية ومنحها الرئيس كلينتون عام 1999 الميدالية الذهبية للكونجرس ..

لكن المدهش ما كشفت عنه صورة أخرى التقطت عقب الصورة الأولي بنحو 40 عاما وتظهر فيها الفتاة البيضاء التي كانت تصرخ وقد أصبحت أقرب صديقات إليزابيث ، ومنذ أيام شاهدت صورة يظهر فيها أوليفر ستيلسون ومارجريت ماكوي خلال مراسم زواجهما بأحدي كنائس مدينة سنيدفيل الأمريكية ، الصورة تم التقاطها من مسافة بعيدة نسبياً ولذلك ملامحهما لا تبدو واضحة ، لكن الحكاية أنه شاهدها بالصدفة وأعجبته من أول نظرة ..

فذهب إليها مباشرة وأعطاها رقم تليفونه وقال لها بهدوء " سأنتظر مكالمتك إذا كنت بحاجة لصديق جيد " ، وبالفعل اتصلت به وتقابلا بأحد المطاعم ثم تعددت لقاءاتهم في المطاعم والمكتبات والحدائق العامة ..

وبعد عدة أشهر طلب منها الزواج ووافقت على الفور وسط سعادة كل المحيطين بهم ، نسيت أخبركم بأن العريس عمره 95 عاماً .. والعروس أكملت منذ شهرين عامها الـ81 ! .
 

الاكثر قراءة