رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

"الشباب"تحاور مؤسس"أكشاك الفضفضة"د. إبراهيم مجدي:5جنيهات ربما تجعلك سعيداً مدى الحياة

13 نوفمبر 2018
محمد شعبان

تصوير : محمد عبد المجيد

 

هناك 4 ملايين شخص يترددون يومياً على المترو من بينهم آلاف المرضى المحتاجين لطبيب نفسي
لا تفضفض إلا مع الشخص الذي يستطيع أن يضع نفسه مكانك
ليست لدي أزمة مع الفنانة سما المصري وهي اعترفت بأنني صاحب الفكرة
قرار الانتحار تحت عجلات المترو قد يتخذه الشخص فجأة وهو يقف على الرصيف
نعاني ندرة الأطباء النفسيين.. فهناك طبيب لكل 300 ألف حالة!
منحنى الضغط النفسي يتجه للصعود لدى الإنسان عندما يتوقف عن الفضفضة
معدلات تشجيع كرة القدم أكبر دليل على أننا شعب سليم نفسيا
السعادة لا ترتبط بالدخل المادي وإنما بقدرتك على أن تستمتع بالحياة


يرى أن الفضفضة سلاح يجب أن نتمسك به ونحن نناضل من أجل حياة أفضل.. فعندما يفضفض الإنسان فإنه يقوم لا إراديا بتفريغ الضغوط التي بداخله.. من أجل ذلك اقترح إنشاء أكشاك للفضفضة بمحطات المترو على غرار أكشاك الفتوى، وهي الفكرة التي سعت الفنانة سما المصري لتنفيذها بشكل منفرد بعدما تقدمت بخطاب رسمي لهيئة مترو الأنفاق.. لكن صاحب الفكرة الحقيقي هو د. إبراهيم مجدي أخصائي الطب النفسي، وقد التقيناه  لنتعرف معه على أهمية الفضفضة بالنسبة لنا، وكيف تدفع الضغوط النفسية بالإنسان إلى حافة الهاوية؟ ولماذا يلجأ بعض المحبطين للانتحار تحت عجلات المترو بالتحديد؟.


لماذا طرحت فكرة إنشاء أكشاك للفضفضة في محطات المترو؟  
كل واحد منا في حاجة لأن يفضفض مع شخص يثق به، فهناك مشكلات وضغوط حياتية تواجهنا ونكون دائما في حاجة لشخص قريب يحتضننا ويسمعنا، وليس شرطا أن يعطي لنا رأيا أو يحل لنا المشكلة، فالفضفضة لا ترتبط بالبحث عن حل أو الوصول للخروج من مأزق، إنما هي مجرد تنفيس عما بداخلنا من مشكلة عويصة أو فكرة تطاردنا أو سر يرهقنا نفسيا.. وفي النهاية إذا لم تجد هذا الشخص المناسب فقد تلجأ للطبيب النفسي من أجل أن يسمعك..

وهذا الشيء نشعر به بعد فقدان الأهل، حيث لا يجد الإنسان شخصا يسمعه. وهناك في الطب النفسي طريقة علاجية اسمها العلاج بالفضفضة، أو"التنفيس" بمعنى أنك تقوم بإخراج ما بداخلك لتفريغ هذه الطاقة السلبية، في هذا الإطار جاءت الفكرة وهي إنشاء أكشاك أو مكاتب للفضفضة داخل محطات المترو..

فهناك 4 ملايين شخص يترددون على المترو يوميا، وقد يكون بين هذا العدد عدة آلاف من المرضى الذين يعانون أمراضا نفسية ولا يجدون الفرصة أو المقدرة للذهاب للطبيب النفسي، ولهذا فإنهم لو وجدوا مكتب استشارات نفسية في مكان يترددون عليه يوميا فإنهم قد يجدون حلا مناسبا لمشكلاتهم. ثم تطورت الفكرة لتشمل المواطن العادي، فليس شرطا أن تكون هناك مشاكل نفسية وإنما على الأقل هناك مشاكل عامة تخص الصحة أو التعليم أو التموين أو البطالة أو خلافه وتشكل هذه المشكلات عموما ضغوطا نفسية.


كيف تساهم هذه الفكرة في الحد من تكرار حوادث الانتحار وخاصة تحت عجلات مترو الأنفاق؟
هذه الفكرة سترفع "الوصم" عن المرض النفسي، بمعنى أن هناك مرضى يخشون الذهاب لمستشفى العباسية مثلاً حتى لا يقال إنهم "مجانين". في حين أن أي إنسان معرض للإصابة بتوترات نفسية وعصبية نتيجة ضغوط الحياة.. ومن ثم فإن هذه المكاتب سوف تجعل الناس يشعرون بأن المرض النفسي هو مرض عادي يتم علاجه بأدوية مثل بقية الأمراض. ولهذا اقترحت أن نبدأ بـ 5 مكاتب ثم نقوم بتقييم التجربة. فهذه الأكشاك بالفعل ستساهم في حل أزمة الانتحار والأزمات النفسية والصحية والاجتماعية.


هل تواصلت مع جهات رسمية لتنفيذ فكرتك على أرض الواقع؟
الحقيقة أن الفكرة لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن، لأنها تتطلب تدخلا من جهات رسمية، وأنا تواصلت مع الجهة المختصة الممثلة في الأمانة العامة للصحة النفسية، لكنهم قالوا لي إنه ليس لدينا أطباء نفسيون بشكل كافِ لتنفيذ الفكرة، لأن عندنا ندرة في عدد الأطباء النفسيين فهم حوالي 3 آلاف طبيب على مستوى الجمهورية، في حين أن معدلات الأمراض النفسية كبيرة، بمعنى أن هناك طبيبا لكل 300 ألف حالة.. وهناك من يمارسون المهنة  لفترة ثم يتوقفون نتيجة "الوصم" الخاص بالمرض النفسي. ومن هنا فنحن أمام أزمة كبيرة في عدد الأطباء النفسيين. ولهذا فإن الفكرة لم تجد من يدعمها حتى الآن، وإنما واجهت سخرية كبيرة على السوشيال ميديا وبعض الناس قالوا إن مصيرها سيكون هو نفس مصير أكشاك الفتوى.  


ماذا عن أزمتك مع الفنانة سما المصري ولماذا سعت لتنفيذ الفكرة بنفسها؟
هي التقطت الفكرة من أحد البرامج وقامت بتقديم مقترح أو خطاب رسمي لهيئة المترو لتنفيذها، لكنها فيما بعد اعترفت بأن الفكرة هي فكرة طبيب نفسي، وحالياً أتواصل معها بشكل عادي ولا توجد أزمة بيني وبينها كما أن الهدف واحد.. خاصة  إذا علمنا أن بعض دول العالم لديها جهات مختصة بالحالة النفسية، فالإمارات مثلاً لديها وزارة للسعادة، وكشك الفضفضة هو مجرد فكرة شبيهة في إطار ما يسمى بـ "الطب النفسي الإيجابي" الذي يهدف لإخراج الناس من مشاكلهم ومنع معدلات الإقبال على الانتحار وتحسين الحالة النفسية والمزاجية للناس.  


ما الشروط التي يجب توافرها في الشخص الذي يمكن أن نفضفض معه؟
الفضفضة ليست مع أي شخص، وإنما يجب أن تكون مع شخص يحمل قدرا كبيرا من الحكمة، أو مع شخص يحبك، أو قريب منك، لأنك من الممكن أن تفضفض مع شخص لا يستطيع أن يضع نفسه مكانك، وهذا هو شرط الفضفضة أن تجد إنسانا لديه القدرة على التعاطف معك أو أن يضع نفسه مكانك ومن ثم يشعر بمشكلتك. ومن ثم يمكن أن تفضفض مع إمام مسجد أو مع والدك أو مع زوجتك.. وهكذا، بحيث يكون هناك مناخ من الطاقة الإيجابية بين الطرفين.  


الشخص "المكبوت نفسيا" هو ذلك الشخص الذي لا يفضفض.. فهل هذا صحيح في الطب النفسي؟
بالطبع نعم، فهو شخص يفضفض مع أحد لأنه منعزل أو منطوي أو يأخذ كل مشكلة تواجهه على صدره، وتكون النتيجة التعرض لضغط نفسي عنيف.. ونحن لدينا في الطب النفسي شيء يسمى "منحنى الضغط النفسي"، وهذا المنحنى يتجه للصعود عندما يتوقف الإنسان عن الفضفضة أو يكبت مشاعره السلبية بداخله، وقد يتسبب الضغط في أن يسقط الإنسان من الحياة وتتأثر مناعته ونومه وإنتاجه، ومن الثابت علميا أن 70% من الأرق يكون ناتجا عن ضغوط نفسية، كما أن الإنتحار والطلاق ينتجان عن ضغوط نفسية.. والإرهاب والتطرف أيضا بسبب ضغوط نفسية لأن الشخص المتطرف فشل في أن يجد شخصا يفضفض معه ويرشده للطريق الصحيح.


الانتحار تحت عجلات المترو.. كيف يمكن تحليله من الناحية النفسية؟
الانتحار بالمترو هو ليس ظاهرة وإنما مجرد حوادث فردية، لكن السوشيال ميديا تضخم كل الأحداث، وهو مجرد موضة أو طريقة شائعة في الوقت الحالي، ففي بعض الفترات كان الانتحار من أعلى الكباري وفي فترة أخرى كان من خلال قطع شرايين اليد وهكذا.. لكن بعض المحبطين نفسيا ربما وجدوا أن المترو يحقق الهدف مباشرة.. والحقيقة أنه ليس كل منتحر يعد مريضا نفسيا، وقد يرتكب الشخص الانتحار فجأة بمعنى أنه من الممكن أن ياخذ القرار في لحظة وهو واقف على الرصيف لتعرضه لضغوط وشعوره بأن جميع الطرق مغلقة أمامه.  


كيف تحلل مزاج المصريين وهل صحيح أننا أصبحنا شعباً معقداً ومليئا بالأمراض النفسية؟
هذه المسألة تحتاج لدراسات، ولكن فكرة أننا أصبحنا شعبا كئيبا أو مصابا بالعقد النفسية أعتقد أنها فكرة غير صحيحة تماما، فهناك مؤشرات ووقائع تؤكد أن المصريين ليسوا شعبا كئيبا كما يتصور البعض، فنسبة الذين يشجعون الكرة مثلا ويحرصون على متابعة الدوري الانجليزي ومتابعة اللاعب محد صلاح تؤكد أن الشعب المصري سليم من الناحية النفسية، لأن المريض النفسي لا يستطيع مطلقا أن يتابع الماتشات, ولن يشجع الأهلي ولا الزمالك. لكن ما يحدث أن هناك محاولة لإشاعة مناخ إحباطي هو نوع من الحروب النفسية، فمنذ نكسة 67 هناك مؤامرات ضد الحالة النفسية للشعب المصري، فوقت الهزيمة تمت إشاعة جو من اليأس والإحباط، وبعد 73 صدروا لنا المخدرات، والآن حروب نفسية وشائعات وإحباط.


لكن لماذا انخفضت معدلات الشعور بالسعادة بهذا الشكل بين المصريين؟
السعادة ليس لها علاقة بالدخل الاقتصادي وإنما هي مسألة نفسية ترتبط بقدرة الإنسان على أن يستمتع بالحياة، وكيف يمكن أن يكون لديه 5 جنيهات فقط لكنه يقرر أن يعيش بطريقة مختلفة كأن ينزل الشارع ويشرب حاجة ساقعة أو يأكل سندوتشين فول وطعمية أو يجلس في جنينة أو يذهب لزيارة آل البيت وبالتالي تنتابه حالة سعادة طوال حياته، لكن ما حدث أنه تم اختزال السعادة في المسألة المادية بسبب الفكر الرأسمالي والمادي والعولمة التي أثرت فينا وخلقت ثورة تطلعات وطموحات.. كله عايز أحسن موديل وأحسن براند وأحسن موبايل.

 

الاكثر قراءة