رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

علاء رجب إستشارى العلاقات الأسرية:المشاعر الإلكترونية أصابتنا بالجمود العاطفي

4 نوفمبر 2018
رانيا نور

أصبحنا نلجأ للاستشارى النفسى بعدما افتقدنا كبير العائلة الذى يسمعنا وينصحنا

نمارس على أنفسنا الاحتيال العاطفى ثم نعلق فشلنا على القسمة والنصيب
العصبية والإدمان والبخل صفات لن تتغير بعد الزواج .. بل تزداد

اليوم  يتذكر المصريون عيد الحب  الذى دعى إليه الكاتب الصحفى مصطفى أمين بعدما شاهد جنازة فى السيدة زينب لايسير بها سوى ثلاثة أشخاص فتعجب من المشهد وعندما سأل عن السبب عرف أن المتوفى كان رجلاً غليظ القلب لا يحبه أحد، وكانت تلك الواقعة يوم 4 نوفمبر فذهب الى مكتبه واقترح فى عموده الشهير "فكرة"  أن يكون يوم 4 نوفمبر عيدا للحب المصرى، وكان مصطفى أمين لا يقصد الحب بمعنى العشق والغرام ولكنه يشجع على حب الناس لبعضهما سواء أفراد الأسرة الواحدة أو أفراد المجتمع ، فماذا لو كان موجودا بيننا الأن ليرى مدى تدهور العلاقات بين البشر وكأن الحب والرحمة خرجا من مجتمعنا بلا رجعة فهل كان سيدعو ليوم للحب أم لعام كامل للتسامح والمحبة دون جدوى أيضا.. لذا فقد ذهبنا الى دكتور علاء رجب استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية لعلنا نجد عنده سببا مقنعا لما أصاب علاقاتنا ببعض بكل هذه القسوة والتعقيد.


هل أصبحت علاقاتنا ببعض معقدة لدرجة أننا فقدنا القدرة على التواصل والتفاهم بهدوء؟
للأسف لقد أصيب معظمنا مؤخرا بما يمكن أن نطلق عليه الجمود العاطفى كما تحولت علاقاتنا ومشاعرنا الى علاقات إلكترونية تخلو من أى مشاعر حقيقية وحتى العلاقات الحقيقية تحولت الى مصالح فكثير من أصبح يحكم علاقاته بالناس بالفائدة التى ستعود عليه منها ومصلحته فيها ومن ثم أصبحت علاقات هشة ضعيفة تخلو من أى صدق أو مشاعر حقيقية.


تعتقد أن وسائل التواصل الإجتماعى من أسباب سطحية العلاقات بين الناس بعدما تحول الحب أو الامتنان لقب أحمر والمواساة الى إيموشين باكى؟
بالتأكيد لها دور كبير فمن يبتعد الآن تقربه شاشة موبايل حتى أصبحنا نهنئ ونعزى بعضنا البعض عبر الفيسبوك فكيف لاتصبح علاقاتنا سطحية؟ وعلى الرغم من ان حياتنا نفسها ورحلتنا فى الدنيا مؤقتة إلا أننا نبحث عن الدوام فى بنائنا الإقتصادى والمادى فقط دون أى إهتمام بالجانب الوجدانى والأخلاقى حتى أصبحنا من أكثر المجتمعات التى تعانى الفقر العاطفى وربما هذا هو ما جعل الآباء يبحثون عن أفضل فرص لتعليم أبنائهم فى مدارس الإنترناشيونال بغض النظر عن الأخلاق، 

ونرجع بعد ذلك نندهش من إنتشار الجريمة خاصة بين أفراد الأسرة الواحدة فقد أصبحنا نسمع عن أب يقتل أطفاله وأم ترمى أبناءها وابن يذبح أمه مما يحتم علينا أن نتوقف عند الأسباب التى وصلت بنا الى هذه الدرجة الخطيرة من العنف ويؤكد أننا بحاجة ماسة لوضع حلول فعلية من جميع المتخصصين فى الطب النفسى وعلوم الإجتماع  للحفاظ على الباقى من هويتنا وعلى التماسك الإجتماعى فضلا عن تقنين التعامل مع وسائل التواصل الإجتماعى التى تعد من أهم أسباب الشعور بالاضطراب وقد توصلت دراسة نشرت فى دورات الكمبيوتر والسلوك البشرى الى أن الأشخاص الذين يستخدمون عدة مواقع تواصل إجتماعى هم أكثر عرضة لمستويات مرتفعة من القلق.


كيف يمكننا أن نصل بالأجيال الجديدة الى مجتمع أكثر أمانا يخلو من تلك الجرائم السوداء؟
مما لاشك فيه أن الجريمة الأسرية هى أخطر وأسوأ أنواع الجرائم على الإطلاق وحتى نتخلص منها نحتاج الى تواصل وجدانى ولجان إجتماعية لرفع الوعى داخل المجتمع والتركيز على العودة الى قيم التسامح والمحبة خاصة فى المناهج التعليمية للأطفال لأنهم البذرة التى ستنبت قريبا فى المجتمع وأن نبتعد بهم- قدر الإمكان- عن العلاقات الإلكترونية حيث إنه من الصعب أن تستقيم علاقاتنا الإجتماعية والأسرية ونحن نعيش أصلا داخل علاقات وهمية لفترات أطول بكثير من تلك التى نقضيها مع أهالينا فلك أن تتخيلى أن هناك آباء الآن يتقابلون مع أبنائهم عبر مواقع التواصل الإجتماعى فهل من الطبيعى أن ننتظر من هؤلاء الأبناء بعد ذلك حبا ومشاعر صادقة تجاه أبائهم أو أى فرد فى المجتمع من حولهم؟


هل أثر غياب التسامح والحب من حياتنا على مناعتنا النفسية؟
بالتأكيد فالحب والإحساس بالأمان من أهم العوامل التى تقوى مناعة الإنسان ضد الأمراض العضوية والنفسية لذا تجدين معظم الأطفال التى تصاب بأمراض خطيرة لديها مشكلة فى الإحساس بالأمان أو الدفء من والديهم أو انها عيش بين أسرة مفككة أو أب وأم منفصلين .


بماذا تفسر انتهاء أغلب الزيجات التى بنيت على حب سنوات بالانفصال ؟
لأننا لانفهم معنى الحب من أساسه ومن ثم نتجاهل كل عوامل الإختيار السليم ونلقى بأنفسنا فى زيجة كل المقدمات تؤكد أن نتائجها ليست فى صالحنا وفى النهاية نعلق سوء إختيارنا على الحظ والقسمة والنصيب فمعظنا للأسف عند الإرتباط يمارس على نفسه نوعا من "الاحتيال العاطفى" حتى نتمم الزواج دون أى فكر منطقى أو إعلاء لكلمة العقل فى الاختيار.


ومتى يكون الاختيار سليما ؟
 عندما يبنى على توافق الطرفين فى كل ثوابت الحياة فضلا عن إعلاء كلمة العقل والإنصات لصوت القلب وبعد الزواج لابد أن يتعامل كل طرف مع الآخر على أنه بنك للحب عليه أن يضع فيه كل يوم بمواقفه وأخلاقه مزيدا من الرصيد وآلا ينسى أن ورقة اعتماده الوحيدة لدى هذا البنك أن يكون إنسانا يعرف كيف يقدر نفسه وشريك حياته، مما يضمن للطرفين أن الرصيد لن ينفد أبدا بالعكس سيزداد مع الزمن والأهم من هذا وذاك أن الإختيار السليم من الأساس سيحمينا من شبح الإنفصال

الذى حتما سيؤثر على الأبناء بالسلب كما أنه علينا ألا نصدق كذبة أن فلانا سيتغير بعد الزواج لأنه لايوجد شخص يمكن أن يغير أخر خاصة فى العيوب الجوهرية مثل الشخص العصبى والمدمن والبخيل و"ابن أمه"، فكل تلك الصفات ستزداد بعد الزواج وليس العكس، وعلى كل فتاة أن تبتعد عن هذه النماذج وألا تخشى من العنوسة لأن العنوسة الحقيقية هى أن تعيش مع رجل لايشعر بها ولايقدرها.


كيف يمكننا أن نحمى أبناءنا من أنفسنا وأفكارنا ؟
 بأن نتركهم يعبروا عن أنفسهم، يعنى الأم التى تعلم ابنها أنه لابد أن يحصل على الدرجة النهائية فى الإمتحان بأى طريقة بغض النظر عن إمكانياته هى بهذا الشكل تعلمه الغش وتقهره نفسيا، ومن ثم سيخرج للمجتمع شخص عنده إستعداد لأن يفعل أى شىء ليحصل على ما ليس من حقه، أما الأم التى تحترم قدرات ابنها ونتائجه فطبيعى سيصبح إنسانا ملتزما صادقا مع نفسه ومع الأخرين فمن يتجاهلون مشاعر أبنائهم ويربونهم على القهر سيخلقون منهم أشخاصا ماديين نفعيين فقط، يعنى عندما أعود ابنى على زيارة المريض والعطاء للمحتاج فأنا هنا أحميه من فقر المشاعر الذى هو أخطر بكثير من الفقر المادى لأن المشاعر هى التى ستجعله راضيا وقانعا بما يصل اليه فى حياته ولا يتطلع لما عند غيره .

 

هل هناك سبيل لحماية أنفسنا من المشاعر السلبية؟
 السبيل الوحيد آلا نكتم مشاعرنا الحقيقية ونقهر أنفسنا؛ لذا علينا دائما أن نعبر عما يدور بداخلنا حتى لا ننفجر مرة واحدة، ومهم جدا أيضا ألا نربط حياتنا أو سعادتنا بشخص أو هدف واحد.

 

تعتقد ما السر فى لجوء عدد كبير من الآباء والأبناء الى استشاريى العلاقات الأسرية والإنسانية؟
 أننا لم نعد نسمع بعضنا، وإذا ركزنا سنجد أن فكرة الإستشارى موجودة من زمان جدا ولكن ليس على شكل طبيب وإنما فى هيئة كبير العائلة ولكن عندما ازدحمت الحياة وانشغل الناس عن بعضهم واحتل الفيسبوك المكانة الأولى فى التعبير عن مشاعرنا أصبحنا فى أشد الحاجة لمن يسمعنا فالإنسان لايستطيع أن يعيش دون أن يعبر عن مشاعره؛ لذا فحياتنا الاجتماعية تستحق مجهودا مضاعفا حتى نستعيد صورة الأسرة.


ترى ما السبب فى أننا أصبحنا أقل سعادة ؟
لأننا طوال الوقت مشغولون بتحقيق النجاحات المادية المترجمة لشقة وسيارة ومدارس أنترشايونال ولم نفكر للحظة إن كنا سعداء بما نحققه ونربى أولادنا أم لا، فالسعادة الحقيقية تكمن فى الرضا وخوفنا على بعضنا وإحساسنا بالآخر ورحمة أولادنا وتربيتهم على العطاء والمنح .


وكيف نستطيع أن نصل الى مرحلة الرضا والقناعة؟
بتوطيد العلاقة بربنا وأن نحرص على أن يكون هناك حوار داخلى مع أنفسنا لنعرف أين نحن وما يجب أن نكون عليه ومن أكثر الأشياء التى يمكن أن تسعدنا أيضا أن نختار هدفا له قيمة فى حياتنا نسعى الى تحقيقه لأن هذا هو ما سيمنحنا الإحساس بذاتنا وأن نبتعد نهائيا عن الأشخاص السلبية التى تهدر طاقتنا وآلا نربط سعادتنا بشخص معين وإنما نعتمد فى ذلك على أنفسنا فقط؛ لذا فأنا دائما ما أقول لأى شخص يبحث عن السعادة: أنت الوحيد القادر على إسعاد نفسك والمسئول عنها ومهم جدا أيضا آلا نترك أنفسنا فريسة لأوهام وخيالات بعيدة عن إمكنياتنا حتى لانحبط من عدم تحقيقها وهى فى الواقع ليست مناسبة لنا من الأساس.

الاكثر قراءة