رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

تحتوي على صور عمرها أكثر من 100 عام.. سحر مصر داخل أستوديوهات وسط البلد

29 اكتوبر 2018
محمد فتحي حرب

وسط زحام منطقة وسط البلد تبقي ذكريات مصر في صور داخل أقدم ستوديوهات التصوير الباقية حتى الآن.. والتي تحوي صور لمصر شعبها وحكامها ولحظات وأحداث مرت بها لسنوات تمتد إلي أكثر من 100 عام.. وتم رصدها بأيدي مصريين وأجانب عاشوا في مصر وأرادوا أن يسجلوا ذكريات هذا الوطن فبقيت لنا حتى الآن.. مازالت تحتفظ بها جدران تلك الاستوديوهات.. والتي تحمل نفسها قصص وحكايات..


سان فرانسيسكو
في حي بولاق أبو العلا ووسط زحام باعة وكالة البلح يقع ستوديو" سان فرانسيسكو" الذي يصل عمره لأكثر من 70 عاما.. وذلك في عمارة قديمة.. وتعلو حوائطه صور للملك فؤاد وفاروق وصورة تجمع محمد نجيب وجمال عبد الناصر والسنهوري باشا.. بجانب كاميرا خشبية عمرها أكثر من 100 عام، وهي من أول الكاميرات التي استخدمت فيه بعد أن جلبت خصيصا من بريطانيا..

ويقول سعد زغلول- صاحب الأستوديو الآن-: هذا الأستوديو تم إنشائه سنة 1942، وكان أصحابه من الأرمن والطليان الذين كانوا يعيشون في هذه المنطقة، ويصورون من قبل إنشاء الأستوديو، ويحافظ الأستوديو على طرازه القديم وديكوراته البسيطة التي بدأ بها، وفي خلفية ذلك إضاءة خافتة تتماشى مع روحه، وقد اختار مؤسسو الأستوديو حي بولاق لأنه مكان حيوي تكثر به الزبائن، فكان فيه مجموعة من المدارس، وكان التصوير يتم هنا أو في الخارج عبر مصورين محترفين كانوا يذهبون لتصوير الباشاوات والعائلات

ففي الماضي كانت العائلات تحرص على الصورة التي تجمع أفراد الأسرة، ولدينا أرشيف من الصور التي تعود لعقود طويلة، واستمر الأستوديو لعدة سنوات بعد الحرب العالمية الثانية، ثم انتقلت ملكيته في أواخر الأربعينات من الأجانب لمصور مصري يدعى محمد مصطفى، وقد كان هذا الرجل نشيطا ومخلصا لمهنة التصوير، فعمل على تطوير الأستوديو، حيث كان يبذل جهودا في التعاقد على تصوير أعضاء الحكومة والشرطة والجيش وأعضاء الهيئات القضائية، فكل دائرة قضائية كانت تصور مع رئيس المحكمة

كما كان يتعاقد مع المدارس لتصوير تلاميذها ومعلميها، ففي هذه الفترة كان تقليدا متبعا أن يتم تصوير تلاميذ كل صف دراسي مع ناظر المدرسة في صورة للذكرى، وكان الرجل من يتولى تلك المهمة، ثم اتسع عمل الأستوديو وزادت شهرته، فكان صاحبه شخصا مبدعا، كما كان يدير العمل بشكل احترافي يقوم على التخصص، فكان له نفس نظام السينما، من وجود أفراد متخصصين في الإضاءة والرتوش والتحميض والطباعة، وتحول الأستوديو مع مرور الوقت لمكان يتقابل فيه غالبية المشاهير، الذين لم يكونوا يحضرون من أجل التصوير فقط

بل كان في الأستوديو غرفة مخصصة لاستقبالهم ولسهراتهم، وأنا التحقت بالأستوديو وكان عمري 14 سنة، ومع مرور الوقت انتقلت ملكية الأستوديو إلي، وأنا أميل لكل شيء فيه تاريخ فني أو قيمة، لذا تمسكت بشكل الأستوديو التقليدي، وكذلك الاسم الذي يعبر عن هوية المكان وتاريخا تجاريا، كما جددت أرشيف الصور القديمة، خصوصا ما يخص الهيئات القضائية، التي تؤرخ أبرز الأحداث التاريخية للقضاء المصري، منها على سبيل المثال افتتاح الملك فاروق لمبنى مجلس الدولة القديم في عام 1947، ويعتبر الأستوديو متحف يحكي جزءا من تاريخ التصوير في مصر، فهو يضم مقتنيات نادرة من الصور، ومعدات التصوير القديمة من كاميرات وفلاشات وكشافات الإضاءة، مما يجعل من الأستوديو مكانا تراثيا.


أنترو

وفي عمارة من العمارات القديمة في شارع طلعت حرب يتواجد ستوديو" أنترو" والذي يبقي في هذا المكان منذ أربعينات القرن الماضي..

ويقول "فيجان" مالك الأستوديو: نحن عائلة أرمنية ومعنا الجنسية المصرية، جاءت إلي مصر سنة 1907، وعائلتي عشقت مصر وبقيت حتى الآن نتوارث حب مصر أجيال وراء أجيال، ووالدي" أنترو" ولد هنا سنة 1925، وأخذ هواية التصوير من خالي الذي كان يصور في الإسكندرية، وبدأ والدي التصوير في محل في منطقة وسط البلد كان نصفه يملكه يهودي يعمل في تغيير العملة، والنصف الآخر كان والدي يصور فيه، ومن أهم الصور التي ألتقطها كان العساكر الإنجليز يأتون ليتصورون قبل مشاركتهم في الحرب العالمية، ثم انتقل والدي إلي هذا الأستوديو، والذي كان زبائنه باشاوات وبكوات، والعديد من المشاهير

فقد كان أول ظهور لعبد الحليم حافظ داخل هذا الأستوديو، بجانب ثلاثي أضواء المسرح وعمر الشريف وغيرهم كثيرا، والعديد من السياسيين أيضا مثل أسامة الباز، وكانت أهم صورة لوالدي عندما تم اختيار خمسة مصورين من أجل اختيار أحدهم لتصوير الرئيس الراحل السادات في القصر بالملابس العسكرية في أكتوبر 1977، فقد كان يتم تصويره كل عام بمناسبة ذكري أكتوبر، وتم اختيار والدي أنترو من أجل التقاط تلك الصورة في هذا العام، واكتسب الأستوديو شهرة واسعة على مدار عقود، كنا نسجل فيها العديد من الذكريات والأحداث التي تمر بمصر

ولكننا تأثرنا بشدة بسبب الأحداث التي حدثت منذ ثورة يناير وسيطرة الباعة على الشارع، فقد كنا نصور كل عام ألف فرح، ولكن على مدار ثلاث سنوات لم نصور فرح واحد، ولكن يبقي الأستوديو بذكرياته.

لينرت ولاندروك
النيل بالقرب من الأهرامات.. ورحلات بالجمال.. صورة نادرة للمنطاد فوق القلعة.. وغيرها من الصور النادرة لا تجدها إلا في مكتبة" لينرت ولاندروك" في شارع شريف.. والتي كانت تحتوي على ستوديو يرصد سحر الشرق والطبيعة في مصر ومازالت تلك الصور باقية ومعلقة داخل المكتبة حتى الآن..

ويقول سعيد علي محمد- مدير المكتبة-: جذبت نداهة سحر الشرق المصور الفوتوغرافي لينرت وصديقه خبير التسويق لاندروك، وتحول الخواجات إلي أولاد بلد، الأول يصور ويرصد بكاميرته سحر مصر، بحواريها، وأزقتها، وأهلها وشوارعها، وجمال مبانيها، والآخر يسّوق هذه الصور

وينظم لها المعارض، بين مصر وتونس وأوروبا، ليسجل الصديقان وصفاً جديداً لمصر، بعيون أوروبية وعدسات لا تخطئ كل ما فيه جمال وسحر، ومازالت المكتبة تحوي مجموعة لا حصر لها من الصور، والتي مازالت تسجل التاريخ كما لو كان وصفاً جديداً لمصر، وهو التراث الذي حافظ عليه إدوارد لامبليه، حفيد أحد الصديقين بمحض الصدفة التي جعلته يدرس ويعمل في مجال الهندسة الكيميائية، وتنتهي به الحال في مصر أيضاً كمهندس للبترول وراع لتراث جده، وقد سافر الصديقين خارج مصر ثم عادا في 1924، وتفرغ" لينرت" للإبداع

وأصبح يجوب مصر ليلتقط بعدسته ويرصد الواقع المصري الساحر، ولم يترك شيئاً صادفه واعتقد أن له قيمة فنية إلا وسجله بعدسته، حتى أصبح لديه آلاف الصور التي ترصد الحياة في مصر في تلك السنوات، ونحتفظ بتلك الصور حتى الآن على جدران المكتبة التي تم إنشاءها سنة 1924، ومازلنا محتفظين حتى بالكاميرات القديمة التي تعتبر من أوائل الكاميرات التي دخلت مصر.
 

بيلا
ووسط عمارات شارع قصر النيل وجدنا ستوديو" بيلا" الذي يعود تاريخه إلي القرن الـ19.. ومازال محافظا على طرازه القديم
ويقول أشرف محيي الدين- صاحب الأستوديو الحالي-: هذا الأستوديو تم إنشاءه في حوالي 1890، ويعتبر أول مكان تصوير في مصر، أنشأه عاشق التصوير الخواجة" بيلا"، المجري الجنسية، وفي عام 1925 عاد بيلا لبلاده وباع الأستوديو لشخص لبناني، وشاركه جدي فهمي باشا هيبة في ملكية المحل، ثم بعد فترة باع الشريك اللبناني حصته وأصبح الأستوديو مملوكا لعائلتي، فورثه والدي الذي علمني المهنة منذ الصغر، ثم توليت إدارة الاستديو بعده، ولأن ستوديو" بيلا" هو الأقدم في مصر

فقد أصبح الملوك والباشاوات والرؤساء من زبائنه، وكان يحضر مندوب من قصر عابدين للاتفاق على حضور الخواجة بيلا لتصوير أحد أفراد العائلة المالكة في القصر، وقام جدي بتصوير موكب للملك فؤاد وكان إلى جواره حسين رشدي باشا، كما قام بتصوير اللواء إسماعيل صدقي باشا واللواء أحمد شفيق باشا، ووسيل باشا حكمدار العاصمة، والتقط صورة للملك فاروق في طفولته وهو راكب عربة صغيرة، كما قام والدي بتصوير الرئيس جمال عبد الناصر وأحداث ثورة يوليو 1952، وجنازة عبد الناصر، والتقط صورا عديدة للرئيس الراحل أنور السادات وزوجته السيدة جيهان السادات، وكانت الصور وقتها أبيض وأسود، ولكن كنا نقوم بتلوين صور السادات وجيهان يدويا باستخدام الفرشاة وألوان الزيت للخلفيات

أما الوجه فقمنا بتلوينه باستخدام ألوان المياه، وطوال السنوات الماضية حافظنا على شكل الاستوديو وديكوره القديم، كما احتفظ بكل الكاميرات ومعدات التصوير القديمة، مثل الكاميرا المنفاخ التي لها عجل حتى يسهل نقلها وتحريكها، والفلاش الماغنسيوم، ومعمل التحميض الأبيض والأسود، وأفلام التصوير المصنوعة من الزجاج، فالأستوديو بمثابة شاهد على تاريخ التصوير في مصر.


ويضيف قائلا: لم يفكر جدي في تغيير اسم بيلا، لأن تاريخ الاستوديو مرتبط باسمه، والأكثر من ذلك أن اسم الشهرة الخاص بي أصبح أشرف بيلا، وهذا الاسم أطلقه علي الفنان الكبير حسين فهمي أثناء قيامي بتصوير كواليس أحد أفلامه، وأصبحت معروفا من وقتها بهذا الاسم، كما أن اسم الأستوديو يجذب السائحين الأجانب، خاصة المجريين الذين يأتون للأستوديو ليسألوا عن الخواجة بيلا، معتقدين أن صاحب الأستوديو مجري الجنسية، هذا بجانب أن كل نجوم السينما المصرية القديمة والحديثة

تم عمل اختبار تصوير لهم هنا في هذا الأستوديو، وكان والدي ومصورو هذا الأستوديو هم من يحددون هل هذه الوجوه الجديدة تصلح للتمثيل أم لا، ومن أبرز النجوم الذين نعتز بتصويرهم في الأستوديو علي الكسار، فريد شوقي، ميرفت أمين، مديحة كامل، لبلبة، هند رستم، ماجدة الصباحي، سميرة أحمد، ونور الشريف، ويحيى الفخراني، ونعيمة عاكف وغيرهم الكثير، بالإضافة إلى كل نجوم الجيل الجديد، فقد اعتاد المخرجون الكبار مثل يوسف شاهين، والسيد راضي، وجلال الشرقاوي، وخالد يوسف وغيرهم على إرسال الوجوه الجديدة لنا لنقوم بتصويرهم، وعمل اختبار تصوير لهم.

عنتر
وفي باب اللوق يوجد ستوديو عنتر.. ويقول يوسف إيميل يوسف: ورثت هذا الأستوديو عن والدي، وهو تم إنشاءه منذ حوالي 100 عام، وكان صاحبه يهوديا ووالدي كان يتولى الحسابات، وعندما أراد اليهود مغادرة مصر بعد الثورة تنازل صاحب الأستوديو عنه لوالدي، بعد أن التقط العديد من الصور التي كانت تؤرخ للحياة في مصر في هذا التوقيت، وفي هذا المكان كان يأتي الباشاوات والبكوات ليلتقطوا أهم صورهم، بجانب العديد من الفنانين مثل نجاة الصغيرة وعبد المنعم إبراهيم وغيرهم

وقد كانت نجاة تحب التصوير جدا، وكانت تخاف جدا من التصوير حتى تلتقط أفضل الصور، وكانت لا تثق في أي أستوديو إلا أستوديو عنتر، وتعاقب على هذا الأستوديو أجيال بداية من صاحبه عنتر المصور اليهودي الذي سافر إلى بريطانيا وانبهر هناك بكاميرا التصوير

فقرر أن يحترف المهنة وأن يفتتح أستوديو للتصوير هو الأول في منطقة وسط البلد، وعندما حصل والدي على الأستوديو سعى إلى تطويره وتحويله من دكان صغير إلى أستوديو كبير، وبدأ في استيراد ماكينات تصوير من الخارج كما عقد الاتفاقات مع العديد من الهيئات لكي يقوم بتصويرها مثل الأوبرا ومجلس الشعب ومجلس الشورى، وتعاملنا مع العديد من المصورين المحترفين الذين أصبحوا من أشهر المصورين في مصر، ومنهم فاروق إبراهيم وعدلي ذكى وعادل مبارز.
















الاكثر قراءة