رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

تحذير .. "كأس التوتر العائلي" قنبلة موقوتة في بيوت المصريين

2 نوفمبر 2018
محمد شعبان


معدلات قياسية لارتفاع معدلات الجرائم الأسرية.. والنتيجة: حوادث قتل مرعبة
92% من الجرائم الأسرية سببها الشك وسوء الظن والشائعات المغرضة
مصر الثالثة عربية والـ 24 عالميا في جرائم القتل العائلي


جرائم القتل العائلي التي تكرر حدوثها مؤخراً، تؤكد أننا أمام كارثة اجتماعية خطيرة، خاصة إذا علمنا أن مصر، بلد السكينة، أصبحت تحتل ترتيبا متقدما للغاية في معدل الجريمة التي تقع داخل محيط الأسرة. فمن طفلي ميت سلسيل إلى جريمة الرحاب البشعة التي راح ضحيتها أم وثلاثة أطفال، كان القاتل واحدا وهو الأب!.. الكثير من الدراسات والتقارير التي صدرت مؤخرا حول هذه الظاهرة تؤكد أن هناك أسبابا كثيرة تخلق الدافع لدى أحد أفراد الأسرة للتخلص من بقية أفراد أسرته، هذه الأسباب تتلخص في الشك الفقر، الضغوط، الأمراض النفسية، وأخيراً المخدرات.. الصادم في الأمر هو تطور نوعية هذا النوع من الجرائم حيث لم يعد المجني عليه فرداً وإنما أصبحت الأسرة بأكملها.. فماذا وراء كواليس هذه الجرائم ولماذا تكرر حدوثها بهذا الشكل المريب في الوقت الحالي وهل من حلول لتلك الظاهرة.. التفاصيل في سطور التحقيق التالي:


ناقوس الخطر
الإحصاءات والتقارير المحلية والعالمية تحمل أرقاما مخيفة حول أوضاع ظاهرة القتل العائلي في المجتمع المصري المعروف بتماسكه، وداخل نطاق الأسرة المصرية المعروفة أيضا بكفاحها وتماسكها من أجل الحياة.. لهذا فإن الجريمة داخل هذه الأسرة تبدو شاذة ومثيرة للقلق.. في هذا الإطار نشرت تقارير صحفية مؤخرا، معدلات متضاربة حول نسبة انتشار الجرائم الأسرية في مصر، أحد هذه التقارير يؤكد أن مصر تحتل المرتبة الثالثة عربيًا، والـ 24 عالميًا، في آخر تصنيف لقاعدة البيانات العالمية "نامبيو"، الخاص بتصنيف الدول حسب معدلات الجريمة بها، وتكشف تقارير أخرى عن نتائج دراسة حديثة زعمت أن 63% من الجرائم أصبحت ترتكب داخل نطاق الأسرة، لكن واحدة من الدراسات المهمة في هذا الشأن، أعدتها الدكتورة حنان سالم، أستاذ علم الاجتماع الجنائي بجامعة عين شمس حول الدوافع الاجتماعية والاقتصادية لجرائم القتل في الأسرة المصرية، حيث أكدت أن جرائم القتل العائلي تشكل من ربع إلى ثلث إجمالي جرائم القتل في مصر، ومن ثم فهي تمثل معدلا ضخما ومخيفا للغاية، خاصة إذا علمنا أن هذه المعدلات آخذة في الصعود.

وأشارت هذه الدراسة إلى أن أهم أسباب جرائم الأسرة تتمثل في الشرف، والعجز الجنسي للأزواج، وانخفاض الوازع الديني، وانخفاض المستوى التعليمي أو الجهل، وخلافات الميراث، والضغوط النفسية والمشكلات الاجتماعية، والفقر، والإدمان،والبطالة.
 

وفي دراسة حديثة أعدها المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية حول الجرائم التى تقع فى دائرة الأسرة الواحدة بحيث يكون الجانى والمجنى عليه من داخلها، حيث كشفت الدراسة عن حقيقة فى غاية الأهمية وهى أن الجانى دائما "شاب" فقد يتمثل في الأب أو أحد الأبناء الذكور. ووجدت الدراسة أن الشباب فى المرحلة العمرية التى تتراوح ما بين 26و 44 عاماً هم الأكثر ممارسة لجرائم العنف الأسرى وأن الذكور يشكلون الأغلبية من مرتكبى جرائم العنف الأسرى بنسبة بلغت 78,7% بينما يمثل الإناث النسبة الباقية. هذه الدراسة أعدها الدكتور طريف شوقى، عالم النفس المعروف، وذلك بالمركز والذى أكد فى دراسته أيضا أن 87,2% من مرتكبى الجرائم فى محيط الأسرة من المتزوجين والنسبة الباقية من الذين لم يتزوجوا بعد.


 وفى دراسة أخرى صادرة عن المركز نفسه كشفت عن حقائق مهمة منها أن 92% من جرائم الأسرة المصرية تقع تحت طائفة الجرائم الماسة بالعرض والشرف نتيجة الشك فى السلوك أو سوء الظن مما يدع الزوج لقتل زوجته أو يدفع أحد الأشقاء لقتل شقيقاته. ووجدت الدراسة أيضا أن 70% من الجرائم الأسرية ارتكبها الأزواج ضد زوجاتهم وأن 20% من هذه الجرائم ارتكبها الأشقاء ضد شقيقاتهم بينما ارتكب الآباء 7% فقط من نوعية هذه الجرائم بما يشير إلى التعصب الأعمى الذى يصيب أحد الأبناء بالأسرة يدفعه لانتهاج سلوكيات عدوانية  تصل أحيانا لدرجة القتل فى حين تضاءلت نسبة ارتكاب الأبناء جرائم القتل ضد أمهاتهم حيث لم تتعد نسبتها 3%.


 وكشفت هذه الدراسة عن مفارقات خطيرة منها أن 70% من هذه الجرائم تمت دون أن يتأكد الجانى من حقيقة التهمة الموجهة للمجنى عليه داخل محيط الأسرة حيث لم تقع هذه الجرائم فى حالة تلبس بل كان السبب دائما هو الشائعات وسوء الظن وكلام الجيران والأصدقاء أو المعارف، ووجدت الدراسة أيضا أن المجنى عليه فى  60% من الجرائم التى تقع فى محيط الأسرة دائما بريء وأن ما تسبب فى قتله من أجله لم يكن صحيحا وأن السبب دائما سوء الظن والشائعات المغرضة.


  وحول أدوات الجريمة فى محيط الأسرة تشير الدراسة إلى اعتماد الجانى على الأسلحة البيضاء أو أدوات المطبخ الحادة فى ارتكاب جريمته بنسبة 52% وذلك بواسطة السكين أو الساطور فى حين بلغت نسبة الجرائم التى يقوم فيها الجانى بإلقاء المجنى عليه من "الشرفة" 11% وبلغت نسبة استخدام القتل باستخدام السم 8% وبلغت نسبة القتل بالرصاص 5%. وتدل هذه الأدوات إلى أن الجرائم الأسرية دائما ترتكب بشكل مفاجئ ويميل القاتل دائما لاستخدام الأسلحة التى فى متناول يديه.


قضية رأي عام
شهدت الأسابيع الماضية وقوع سلسلة من الجرائم الأسرية المفزعة، بدأت بطفلي ميت سلسيل، وهي الجريمة التي هزت المجتمع خلال أيام العيد، حين أقدم الأب، وفقاً لما هو معلن من واقع التحقيقات والاعترافات الرسمية، بإلقاء طفليه في المياه.. حيث عثر على جثتين لطفلين مبلغ بخطفهما من قبل والدهما، بفرع النيل أسفل كوبر فارسكور بمحافظة الدقهلية، وجاء تقرير الطب الشرعي يؤكد أن سبب الوفاة هو إسفكسيا الغرق، وتوصف هذه الجريمة بأنها الأكثر بشاعة خلال الأعوام الأخيرة.


ومن الدقهلية إلى الجيزة، حيث شهدت بولاق الدكرور جريمة بشعة راح ضحيتها طفلتان في عمر الزهور مع والدتهما.. هذه الجريمة أثارت جدلا مجتمعيا واسعا على شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة بعدما تبين من خلال مجهودات مكثفة وتحقيقات مستمرة أن وراء الواقعة هو الزوج الذي خشي على أسرته من الفقر فقتلهم جميعًا.


وعلى أطراف العاصمة، أمرت نيابة القاهرة الجديدة، بضبط وإحضار الأب فى واقعة العثور على 4 جثث من أسرة واحدة بمدينة الشروق، لاتهامه بذبح أسرته، وتبين من التحقيقات أن من يقف خلف الحادث هو الأب ويعمل خفيراً، بعد أن قام بتخدير زوجته وأبنائه الثلاثة، ومن ثم قام بذبحهم واحدا تلو الآخر.. ووفقا للتحقيقات فقد كان الدافع وراء ارتكاب الجريمة هو الشرف والشك في نسب الأطفال إليه واتهام زوجته بالخيانة، وتبين أيضا أن الأب القاتل كان محكوما عليه بالإعدام في عام 2011، إلا أنه استطاع الهرب خلال أحداث 25 يناير.


وبعيدا عن هذه الحوادث التي شغلت الرأي العام مؤخرا، فإن هناك حوادث أخرى تمر مرور الكرام دون أن يلتفت إليها أحد.. من بين هذه الحوادث أن "شات جنسى" على الفيسبوك تسبب فى جريمة قتل لزوجة على يد زوجها، بعد أن أطلق عليها الرصاص من طبنجة غير مرخصة، واستقرت الرصاصة فى القلب فأودت بحياتها فى الحال، وجاء فى التحقيقات أن مشادة كلامية نشبت بين المتهم "عيسى. ى"، 48 سنة، صيدلى، وبين زوجته، بسبب اتهام الأخيرة له بالخيانة، وتطور الأمر إلى مشاجرة تعدى خلالها الطرفان على بعضهما البعض بالسباب والشتائم، وانتهت المشاجرة بإخراج الزوج طبنجة كانت بحوزته من دولاب غرفة النوم، وأطلق رصاصة على الزوجة استقرت فى قلبها داخل شقتهما السكنية بمنطقة صفط اللبن.


كأس التوتر
التفسير العلمي لهذه الظاهرة، يرصده لنا الدكتور طريف شوقي، أستاذ علم النفس، وأحد أهم الخبراء النفسيين في مجال الجريمة الأسرية في مصر، حيث يقول: هناك باقة أو كوكتيل من الأسباب المتنوعة التي تشكل الدوافع المؤدية للجرائم الأسرية، وهذه الأسباب تتفاعل مع بعضها لتؤدي إلى القتل أو العنف في محيط  العائلة الواحدة.

وهناك مفهوم علمي في علم النفس يسمى "كأس التوتر الزواجي" هذا الكأس موجود داخل الأسرة وتتجمع فيه الضغوط والهموم والشكوك والأحزان حتى يمتلأ ويكون في انتظار حادث عارض أو طارئ لاشتعال هذا الكأس ومن ثم حدوث الجريمة داخل الأسرة، وهذا الحادث العارض أشبه بالقطرة التي أفاضت الكأس كالفتيل الذي أضرم النيران، معنى هذا الكلام أنه داخل نطاق الأسرة قد تتراكم الضغوط وتتزايد بشكل مخيف وفجأة يحدث شيئا ما فتنفجر هذه الضغوط  وتحدث الكارثة، لذلك يصبح الحل هنا في وضع إستراتيجية لإدارة التوتر داخل الأسرة والعمل على تفريغ كأس التوتر أولا بأول حتى لا يمتلأ فجأة ويفيض بكوارثه وهذا يأتي من خلال إعادة التماسك الأسري مجددا وزيادة الوعي لدى الزوجين بأهمية الحفاظ على أسرتهما وأطفالهما وتجنيبهما كافة المشكلات الطارئة.


ويضيف الدكتور طريف أن الأسرة هي الحلقة الأخيرة التي تتجمع وتصب فيها كافة الأزمات والمشكلات العامة التي نعيش فيها، وذلك وفقا لنظرية الأواني المستطرقة، فهناك ضغوط على المستوى العام تتسرب مع الوقت لتتجمع في هذا المقر الأخير وهو الأسرة..

وهذه المشكلات تتحول مع الوقت لدوافع للعنف والعدوان وهذا العدوان يتوجه للطرف الأضعف في نهاية الخط وهو الأسرة..

فالمدير في الشغل عندما يعامل الزوج بطريقة قاسية، فإن هذا الزوج يوجه إحساسه بالقهر لزوجته بطريقة لا إرادية، ثم تقوم الزوجة بترجمة هذا القهر إلى نوع من العنف والضرب والاعتداء على الابن أو البنت، وفي النهاية يقوم هذا الابن بخنق القطة التي توجد عند باب الشقة. ومن هنا فإنه من المطلوب أن يقوم كل فرد بحماية أسرته وأن يخلع الهموم من رأسه عند باب البيت تماما مثلما يخلع حذاءه عند باب المسجد، ومن المطلوب أيضا أن يكون هناك حائط صد منيع لحماية الأسرة مهما كانت الضغوط. أيضا هناك نقطة مهمة في هذا الشأن

وهي أنه ليس صحيحا كما أشيع أن الكثير من الجرائم الأسرية تقع بسبب المرض النفسي، فالمرض النفسي لا يدفع للعنف إلا في حالات قليلة جدا، فالاكتئاب المترتب على الضغوط هناك حالة واحدة به قد تدفع الشخص للانتحار أو العنف لكن ليس كل مرضى الاكتئاب يلجأون للتخلص من أنفسهم أو من أحد أفراد الأسرة لكن المرض النفسي يجعل الإنسان ينسحب من الحياة، أما السبب أو الدافع الأبرز في هذه الظاهرة فهو الشك أو سوء الظن، والباب الأوسع الذي يدخل منه الإنسان لهذا الشك يبدأ من إدمان الإنترنت والخيانة الإلكترونية التي قد تتحول لخيانة فعلية وعندما يلاحظ الزوج أو الزوجة هذا الأمر المريب تنطلق الشكوك بشكل متدرج ثم تبدأ ردود الأفعال بين الطرفين لتنتهي هذه الأزمة إما بالطلاق أو باللجوء للعنف.  


ومن جانب آخر يؤكد الدكتور طريف شوقي أنه ليس صحيحا أن الجريمة الأسرية ظاهرة جديدة في المجتمع المصري، وإنما هي ظاهرة موجودة طوال الوقت لكن الإعلان عنها هو الذي أعطى انطباعا لدى الناس بأننا أمام ظاهرة تزداد مع الوقت، والحقيقة أنه لم يعد هناك ستار حديدي حول الأسرة يمنع شيوع أخبارها، ومن ثم فإن الحادثة البسيطة التي تقع في حي شعبي تتحول لقضية رأي عام وتهز المجتمع كله، وتظل المشكلة الأخطر في غياب الإحصائيات الدقيقة حول هذه المعدلات الحقيقية للجريمة الأسرية داخل نطاق المجتمع المصري.  
 

جرائم اجتماعية
ومن الناحية القانونية، يقول الدكتور عادل عامر، خبير القانون العام ورئيس مركز المصريين للدراسات القانونية والاقتصادية، والخبير بالمعهد العربى الأوروبي للدراسات الإستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية: هناك نوعان للجرائم الأسرية فإما أن تكون جرائم اجتماعية بسبب الميراث أو لخلافات مادية أو أن تكون جرائم جنائية بدعوى الدفاع عن "الشرف" وهذا النوع تحديداً ينتشر بكثرة في الوجه القبلي طبقا لمفهوم "الشرف الخاص" بمعنى أن هناك عادات وتقاليد خاصة بالزواج فلا يجوز للبنت مثلا أن تتزوج من خارج القبيلة وإن حدث ذلك تكون قد ارتكبت جريمة مخلة بالشرف ويتم قتلها وتنتشر هذه الجريمة أيضا فى مصر بشكل عام نتيجة الشك فى السلوك أو الظن السىء أو أى سبب آخر.

وهناك شكل آخر من هذه الجرائم وهى تلك المتصلة بالاعتداء على "ذوى الأرحام" طبقا للتوصيف القانونى وتتمثل فى جرائم الاغتصاب التى تقع داخل الأسرة وهذه النوعية تنتشر خصيصا فى العشوائيات أو المناطق الشعبية أو فى المساكن الضيقة فمثلا عندما تقيم الأسرة أو العائلة فى غرفة واحدة تكون هذه الأسرة عرضة للكثير من الجرائم الأسرية.
 

الاكثر قراءة