رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

كيف تجعل الناس يحبونك؟

21 اكتوبر 2018
محمد صلاح أحمد

فلان بخيل.. وفلان عينه وحشة.. وعلان بيزوغ من الشغل.. وزميلى يشى بى.. وجارى شكاء.. ونسيبى غشاش.. هذه العبارات نسمعها جميعا بشكل يومى ممن نخالطهم عن أناس آخرين، فالذم أصبح عادة يومية يتفنن الناس فى ممارستها لفضح الآخرين خلال كلامهم برغم علمهم أن نقيصة الذم لا تقل عن نقائص الناس الذين يصفونهم.


بينما تكاد فضيلة الثناء على الآخرين أن تكون اختفت من حياتنا اليومية وإذا سمعنا ثناء أو مديحا من أحد يكون هذا الثناء على نفسه لتحسين صورته الخارجية أمام الناس، وعندما يتحدث أحد عن نفسه غالبا ما يمهد لحديثه بقول: أنا لا أشكر فى نفسى لكنى.. ثم يبدأ فى سرد مناقبه.
والسؤال.. أين ذهب الثناء على الآخرين؟ولماذا اختفى من حياتنا اليومية؟.


إن الثناء على الناس ومعاملتهم بالحسنى من مكارم الأخلاق، كما أنه يعود بالفائدة على من يقوم بالثناء وعلى من يتلقاه، وقد وصل الفلاسفة إلى مبدأ مهم هو: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك، وهناك قاعدة ذهبية فى معاملة الناس هى أن نمنح الآخرين ما نريد أن يمنحونا إياه، كما أن كل إنسان يشعر بأفضليته عن الآخرين من ناحية ما وحتى تصل إلى قلبه لابد أن تشعره أنك تقدر أهميته وتثنى عليه بصدق وإخلاص.


وقد تحدث ديل كارنيجي - المؤلف الأمريكي المشهور المتخصص في التنمية البشرية وتحسين الذات ومدير معهد كارنيجي للعلاقات الإنسانية عن الثناء وأهميته وساق فى أحد كتبه أمثلة على ذلك منها قصة واقعية عن رجل أعمال طبق مبدأ الثناء على الآخر فحصل على نتائج رائعة وملخص القصة أن جورج إيستمان مخترع الشريط الحساس الخاص بالتصوير الفوتوغرافي حقق ثروة تقدر بمائة مليون دولار وجعل من نفسه أعظم رجل أعمال فى العالم فى زمانه، ورغم إنجازاته العظيمة كان فى حاجة إلى التقدير والاعتراف بقيمته مثل أى شخص، وأراد أن يشيد مدرسة للموسيقى باسمه ومسرحا، وعلم ذلك جيمس آدامسون رئيس شركة المقاعد الفخمة بنيويورك وأراد تزويد المسرح بالمقاعد التى تنتجها شركته فحصل عن طريق المهندس المكلف ببناء المسرح على موعد لمقابلة إيستمان.


وفى موعد المقابلة المحدد قابله المهندس وقال له: أعلم أنك تسعى لعقد صفقة مربحة لكنك لن تحظى بأكثر من خمس دقائق من وقت إيستمان لأنه مشغول دائما، فأخبره بما جئت من أجله بسرعة واخرج، وعندما دخل آدامسون على إيستمان وجده غارقا فى كومة من الأوراق على مكتبه فلما فرغ منها أسرع آدامسون يقول: أود أولا يا سيد إيستمان إبداء إعجابى الشديد بأثاث غرفة مكتبك، وأنت تعلم اننى أعمل فى تأسيس المنشآت الكبرى، لكنى لم أر فى حياتى أثاثا بهذه الروعة، وأجاب إيستمان

وقد انفرجت أساريره أنت تذكرنى بشىء كدت أنساه.. إنه حقا أثاث جميل.. أليس كذلك، لقد أعجبنى كثيرا فى البداية لكننى الآن مشغول جدا فى عملى لدرجة أننى قلما ألقى نظرة على محتويات غرفة مكتبى، ومشى آدامسون فى الغرفة وحسس بيده على خشب النوافذ والأبواب وهو يقول: هذا خشب بلوط انجليزى.. أليس كذلك؟ إن له لمعة تختلف عن لمعة البلوط الإيطالى، وأجاب إيستمان: نعم إنه بلوط انجليزى مستورد وقد انتقاه لى صديق متخصص فى الأخشاب.


وبعد ذلك تحدث إيستمان عن ظروف تصميم الغرفة وتأسيسها وعندما وقف أمام النوافذ أشار إلى مجموعة من المؤسسات التى أسسها لخدمة الإنسانية، كجامعة روشستر والمستشفى العام ومستشفى الأطفال فهنأه آدامسون بحرارة على طريقته المثالية فى استخدام ثروته من أجل تخفيف معاناة الإنسانية، وفتح إيستمان صندوقا زجاجيا وأمسك أول آلة تصوير امتلكها وقد اشتراها من رجل انجليزى، وسأله آدامسون عن كفاحه المبكر فتحدث إيستمان عن فقره وطفولته وصباه وعن أمه الأرملة

وكيف كانت تشرف على شئون البيت بينما كان يعمل بإحدى شركات التأمين مقابل أربعين سنتا فى اليوم، واستطاع آدامسون أن يجذب إيستمان إلى المزيد من الحديث بطرح بضعة أسئلة أخرى ثم مضى الوقت وإيستمان يتحدث عن تجاربه فى فنون التصوير بالورق الحساس وكيف كان يعمل ليلا ونهارا فى تجاربه وكيف كان ينام مرتديا ثيابه حتى لا يضيع وقتا فى ارتدائها عندما يستيقظ، ومر على اللقاء ساعتان،

وأخيرا قال إيستمان لآدامسون: عندما كنت فى اليابان اشتريت بعض الكراسى وأحضرتها معى إلى منزلى ووضعتها فى الشرفة لكن الشمس محت طلاءها فاشتريت بعض الطلاء وأعدت دهانها بنفسى، أترغب أن ترى كيف فعلت ذلك؟..

إننى أدعوك إلى منزلى لتناول الغداء معا لأريك الكراسى، وذهب آدامسون معه وبعد الغداء أراه إيستمان الكراسى التى اشتراها ولم يكن ثمن القطعة منها يتعدى دولارا ونصف لكن إيستمان كان فخورا بها لأنه دهنها بنفسه، وفى النهاية نجحت صفقة آدامسون وبلغت قيمة تأسيس المسرح 90 ألف دولار وهو رقم ضخم بمقاييس تلك الفترة.


واختتم ديل كارنيجى كلامه عن الثناء على الآخرين بالاستشهاد بأحد أقوال بينجامين دزرائيلي السياسي البريطاني الذى تولى رئاسة الوزارة في بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر عندما قال: "تحدث إلى الرجل عن نفسه، ينصت إليك لساعات"، فإذا كنت تريد أن يحبك الناس استخدم هذه القاعدة: اسبغ التقدير (الثناء) على الشخص الآخر واجعله يشعر بأهميته.

الاكثر قراءة