رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

واحد وعشرون ألف شائعة خلال 3 أشهر فقط.. من يقف وراء طوفان الشائعات التي تهدد المصريين؟

7 اكتوبر 2018
محمد شعبان

دراسة برلمانية: 30% من الشائعات يتم نقلها عبر وسائل الإعلام الرسمية باعتبارها "أخبار حقيقية"!

تحذير: مواقع وهمية ونصابون يديرون منصات الشائعات على الإنترنت
الشائعات أحد أدوات الحرب النفسية لإشاعة الإحباط والقلق والخوف
رئيس جمعية حماية المشاهدين: المعلومة تقتل الشائعة.. وانفلات السوشيال ميديا وراء الأزمة
د. صفوت العالم: التأخر 6 دقائق عن تغطية الأزمة يدفع السوشيال ميديا لاختلاق الشائعات

واحد وعشرون ألف شائعة ضربت المجتمع المصري خلال الأشهر الثلاثة الماضية، هذا ما أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال حفل تخرج عدد من الكليات والمعاهد العسكرية، وهو ما أثار جدلا واسعا بين خبراء الإعلام والسوشيال ميديا، حيث أصبحت الشائعات ملفا طازجا وثريا بالحديث على الفضائيات.. ورغم جهود الدولة لتجفيف منابع الأخبار الكاذبة والوهمية، إلا أن الشائعات لم تتوقف حيث يراها الخبراء جزءا من مخطط هدفه الرئيسي إشاعة الإحباط والغضب وإشعال ما يسمى بالحرب النفسية.. فمن يقف وراء هذه الشائعات وما دور مواقع السوشيال ميديا في هذه الأزمة وكيف يكون المجتمع والشباب على وجه التحديد أكثر وعيا بهذه المخططات وما أغرب وأطرف الشائعات التي انتشرت في الآونة الأخيرة؟ الإجابة بين سطور التحقيق التالي:

أغرب الشائعات
في البداية كشفت دراسة حديثة أعدتها لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب عن أن النسبة الأكبر من الشائعات مصدرها مواقع السوشيال ميديا، ووجدت الدراسة أن بعض وسائل الإعلام نقلت نسبة لا تقل عن 30% من هذه الشائعات على أنها أخبار حقيقية دون التأكد من صحتها.

وأشارت الدراسة إلى أن الهدف الخفي وراء هذه الشائعات هي إصابة الشارع المصري بالإحباط والاكتئاب فى كثير من الأحيان والتأثير السلبي على الحياة الطبيعية أو اليومية  للمواطنين، فقد لوحظ أن الكثير من الشائعات تتصل بالاحتياجات الأساسية مثل أسعار الدواء وأسعار البنزين والسلع الغذائية، كما كشفت الدراسة أيضا عن وجود مواقع إلكترونية وصفحات يديرها نصابون ولا علاقة لهم بالإعلام، حيث يقوم هؤلاء ببث الأخبار الكاذبة والشائعات عبر هذه المواقع ثم تنتقل تباعا للمواقع الأخرى وصفحات السوشيال ميديا دون التأكد من صحتها.


ومن جانبه رصد مركز معلومات مجلس الوزراء أخطر الشائعات التي تم تداولها خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث نفى المركز ما تردد في العديد من المواقع الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي من أنباء عن منح جامعات مصرية شهادات مزورة لطلبة كويتيين وصلت لأكثر من 40 شهادة، بعدما تواصل المركز مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والتي بدورها نفت هذه الأنباء.

كما قام المركز بنفي عدد كبير من الأخبار الكاذبة التي كان على رأسها: شيخ الأزهر لزيارة تل أبيب - زيادة أسعار الأرز بالمنافذ التموينية - بيع صندوق مصر السيادي لأصول وممتلكات الدولة دون رقابة عليه من جانب الأجهزة المعنية- تعطيل المجرى الملاحي للقناة بعد تصادم 6 سفن- العثور على 35 طفلًا في دار أيتام غير مرخصة بمنطقة الشروق تمهيدًا لاستخدامهم في تجارة الأعضاء- طرح الحكومة أسماك بلاستيكية صينية خطيرة على صحّة الانسان في الأسواق المصرية- رصف شارع المعز بالأسفلت والمازوت– طرح عملات ورقية فئة 500 جنيه.


حرب نفسية
الكثير من الخبراء يرون أن الشائعات هي مجرد أداة من أدوات الحرب النفسية في إطار ما يسمى بحروب الجيل الرابع، وهو مصطلح ظهر لأول مرة في عام 1989 من قبل فريق من المحللين الأمريكيين، من بينهم المحلل الأمريكي "ويليام ستِرجس ليند" لوصف الحروب التي تعتمد على مبدأ اللامركزية بشكل واضح وصريح، وهي حروب اخترعتها الولايات المتحدة الأمريكية لزعزعة استقرار الدول دون حاجة إلي شن عدوان خارجي عليها‏..

هذه الحروب تستهدف نشر الفتن والقلاقل وزعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى وحروب الشوارع وزرع الشوك فى طريق الحكومات وعرقلة جهود الإصلاح، إلى جانب إشاعة مناخ تشاؤمي وبث روح الإحباط. وهو ما حذر منه الرئيس عبد الفتاح السيسي في سياق حديثه عن الشائعات مؤكدا أن الهدف هو "بلبلة وعدم استقرار وتضييع وإحباط".   


ولم يعد خافيا ما تخطط له أمريكا بخصوص هذه الحروب لدرجة أن بروفيسور ماكس مانوارينج أستاذ باحث فى الإستراتيجية العسكرية بمعهد الدراسات الإستراتيجية بكلية الحرب بأمريكا والذى خدم فى المخابرات العسكرية الأمريكية، ألقى محاضرة بمعهد الأمن القومى الإسرائيلي حول هذه الحروب وتم تسريب لقطات مترجمة من هذه المحاضرة على موقع اليوتيوب، قال مانوارينج معترفا: "إننا مشاركون فى الجيل الرابع من الحروب غير المتماثلة".

وقام بتعريفها بأنها الحرب بالإكراه، ففى الماضى كانت الحروب تدور بين جيوش وإعلام وطائرات وزى حربى وعبور حدود الدول المستقلة للاستيلاء على أجزاء منها، لكن خلال الـ20 عاما الماضية، أصبح الجيل الرابع من الحروب هو الأكثر رواجا.. وأضاف "لانريد أن نعترف بأننا متورطون فى حرب كهذه، لكن هوجو شافيز أمر ضباطه فى عام 2005، بالتعامل مع هذه الحروب وذلك بالإكاديمية العسكرية فى كاراكاس، لكن بغض النظر عن الاعتراف فإننا مشاركون فى هذه الحروب".


وأوضح البروفيسور ماكس أن الهدف من حروب الجيل الرابع ليس تحطيما لمؤسسة عسكرية، أو القضاء على قدرة أمة فى شن مواجهة عسكرية خارج حدودها، وإنما الهدف هو الإنهاك والتآكل ببطء حتى تخضع هذه الأمة لا إراديا ومن ثم تستطيع أن تفرض عليها إرادتك، والهدف أيضا هو التحكم أو الوصول لنقطة التأثير فى إرادة الدول المستهدفة والهدف المشترك فى كل ذلك يقوم على زعزعة الاستقرار دون أن ترسل الدول المحاربة قوات نظامية تجتاح الحدود

أيضا تعتمد حروب الجيل الرابع على القدرات العقلية فهى السلاح الرئيسي حيث إنها لاتعتمد على قوة النيران أو الطيران وإنما تعتمد على العقل والتخطيط والتدبير علما بأن زعزعة الاستقرار ينفذها مواطنون وأشخاص من الدول المستهدفة نفسها، والمطلوب هو خلق دولة فاشلة من أجل أن تفقد الدولة  المستهدفة السيطرة على إقليمها ويأتى ذلك من خلال توظيف ودعم مجموعات معارضة للدولة وتقبل هذه المجموعات أن تعمل فى اتجاه معارض وأن تحارب وتمارس العنف وتدعو للفوضى والتظاهر باستمرار.
أسباب متعددة
يرى خبراء الإعلام والسوشيال ميديا أن الأسباب التي تقف وراء الشائعات كثيرة ومتعددة لدرجة أنه يصعب حصرها، حيث يقول الدكتور حسن على، رئيس جمعية حماية المشاهدين: هناك أسباب كثيرة وراء الهجمة الشرسة للشائعات على المجتمع المصري في الأعوام الأخيرة، لعل أهمها هو طريقة إدارة الإعلام المصري

وصراع الدولة المصرية في مواجهة قوى الشر والصراع الدولي الإقليمي، وإذا تحدثنا عن الإعلام المصري في البداية فإن هناك أزمة حقيقية متمثلة في غياب المعلومات وبطء تدفقها من صناع القرار، حيث إن الحكومة لم تصدر حتى الآن قانون حرية تداول المعلومات وكان من نتائج ذلك أن المعلومة تصل للإعلام بطلوع الروح

ومن المعروف أن ما يقتل الشائعة هو المعلومة وعندما تغيب المعلومات يصبح المناخ مهيئا لاطلاق الشائعات بهذه الطريقة، أيضا لا يوجد في مصر ما يسمى بـ "إعلام الأزمات" الذي يجب أن يكون في كل وزارة وجهة حكومية بحيث يتم الرد والتعامل المباشر والسريع مع الأخبار الكاذبة، حتى أن المتحدث الرسمي الموجود في كل وزارة غير مؤهل بشكل كاف للتعامل مع مثل هذه المواقف. أيضا في بعض الأحوال يكون هناك تأخر في الرد من قبل المسئولين في بعض الأزمات مما يعطي مساحة للتأويل والتخمين.


وأضاف رئيس لجنة حماية المشاهدين أن مواقع السوشيال ميديا تتحول لمنصات لنقل واختراع الشائعات في أوقات الأزمات عندما تغيب المعلومات، فمستخدمو هذه الوسائل ليسوا مؤهلين وهناك حالة من الانفلات ولا توجد سيطرة على هذه الوسائل في الوقت الذي تعاني فيه وسائل الإعلام التقليدية من بعض القيود. ومن جانب آخر هناك صراع تخوضه الدولة المصرية ضد قوى الشر

وفي ظل هذا الصراع فإن الدول المعادية بإعلامها وقنواتها وهي دول معروفة لنا جميعا حيث تستغل هذه الشائعات وتتناقلها ضدنا، هذه القنوات على رأسها القنوات التركية والقطرية تقوم بنقل الأخبار الكاذبة والشائعات التي تساهم في نشر الإحباط في الوقت الذي تقوم فيه الدولة المصرية بتحقيق بعض النجاحات والمشروعات القومية كما أنها لم تسقط مثل دول أخرى بالمنطقة على الرغم من نصب العديد من الأكمنة لاسقاطنا لأن مصر بالفعل دولة مستهدفة.
وذكر الدكتور حسن علي أن المواجهة الحقيقية للشائعات لن تتحقق إلا ببناء إستراتيجية إعلامية واضحة، والسماح بالتدفق السريع للمعلومات.


 أما الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام والعلاقات العامة بكلية الإعلام، جامعة القاهرة، فيؤكد أن هناك خطأ ما في التوصيف العلمي والدقيق للشائعة، فليس أي خبر أو معلومة كاذبة على الفيسبوك يعد شائعة، وإنما الشائعة هي المعلومة الكاذبة بشكل كلي أو جزئي والتي تحظى باهتمام الناس ويحدث بشأنها تدخل من قِبل الجماهير بالحذف أو الإضافة بمعنى أن لدينا معلومة خاطئة يتم تداولها على نطاق واسع بشكل ويضيف إليها بعض الناس إضافات معينة في حين يقوم الآخرون بتداولها بشكل آخر

أما عن أهم أسباب رواج الشائعات في الوقت الحالي فتتلخص في الواقع الاقتصادي والذي سمح لبعض القوى والجماعات المغرضة باستغلاله بشكل سلبي حيث تجد ثغرة مناسبة وتستغل حالة الضيق والفقر الذي يعيشه الناس وهو مناخ مناسب للغاية لبث الشائعات، ويساعد على ذلك تباطؤ الآداء الإعلامي المصري في مواجهة السرعة الشديدة التي يتسم بها الإعلام الدولي، وهناك دراسات تقول إنك لو تأخرت 6 دقائق إعلاميا في مواجهة الأزمة فإنك بذلك تعطي الفرصة لخروج وانتشار الشائعات

فمثلا لو تصورنا أن هناك حدثا أو أزمة حدث في مصر فإنه من المفروض خلال الدقائق الأولى أن يتم إخبار الناس ببعض التفاصيل الممكنة لهذه الأزمة ثم يتم نقل المعلومات تباعا حولها، لكن ما يحدث أن يتم ترك الحدث لفترة طويلة تصل لساعات مما يعطي الفرصة للسوشيال ميديا لاختلاق الأنباء وتخيلها، أيضا في الوقت نفسه يتم إعطاء الفرصة للقنوات الخارجية لنقل الحدث بشكل سريع ومباشر تحت عنوان "عاجل" فيذهب الناس لهذه القنوات مع العلم أنها قنوات موجهة وتنقل أجندات أخرى.


ويشير العالم إلى أن الشائعات ترتبط ارتباطا وثيقا بالحرب النفسية، وفي المراحل الفارقة من عمر المجتمعات يتم استخدام هذا السلاح لإشاعة التوتر، حيث يتم استغلال الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب في بث الشائعات.

الاكثر قراءة