رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

إذا كنت تشعر باليأس والاكتئاب .. اسمع حكاية يسرا

15 سبتمبر 2018
رانيا نور

كان عمرى 17 عاماً فقط عندما تعرضت لحادث أليم وتوفى والدى وفقدت كل ثروتى .. ورغم ذلك لم أستسلم

طلبت وظيفة من أقرب صديقاتى .. ففوجئت بها تحرضني على الانتحار!
كنت أعمل بيد واحدة 18 ساعة متواصلة لأحصل على راتب 2 مهندسين
جملة واحدة قالها لى الطبيب فى غرفة العمليات كانت نقطة تحول فى حياتى
أحد أشهر مدربى رياضة الترياثلون قال لى :"أنتى علمتينى أهم درس فى حياتى"


الإرادة هى القوة الكامنة بداخلنا لتبعثنا على الأمل والتحرك فإذا أهانتك الحياة بارزها بالإرادة ومن لايعرف أن يقرن إرادته بقوة  فلا قوة له ولأن إرادة "يسرا" كانت دائما مقترنة بقوة فقد استطاعت أن تتجاوز ما لايتخيله بشر وتصنع بتحديها لظروفها المعجزات ولم تستسلم لأقدارها وإنما بإيمانها وقوتها أجبرت القدر أن يغير من طريقه ليسير معها فى الطريق الذى اختارته .. فما هى حكاية "يسرا أبو النجا"  أحد أهم  مدربى رياضة الترايثلون فى مصر وما الذى يمكن أن نتعلمه منها ؟ هذا هو ما سنعرفه فى السطور القادمة.


فلنبدأ منذ اليوم الذى انقلبت به حياتك ، ماذا حدث ؟
الحكاية بدأت منذ أن كان عمرى 17 عاما، يعنى من 23 سنة تقريبا كنت فتاة عادية جدا تعيش مع أسرتها فى الغردقة نظرا لظروف عمل والدى وكنت متفوقة فى المدرسة حتى حصلت على مجموع كبير فى الثانوية العامة وانتقلت الى القاهرة لألتحق بكلية الهندسة جامعة القاهرة واعتمدت على نفسى فى الإقامة بمفردى فى شقة الأسرة خاصة أننى من عائلة كانت ميسورة الحال جدا ووالدى كان من مؤسسى مدينة الغردقة تقريبا ، وفى يوم وأنا أعبر الشارع صدمتنى سيارة وأنا مازلت على الرصيف لدرجة أنى رأيت نفسى وأنا أطير فى الهواء وأسقط على الأرض ويدى اليمنى بالكامل تحت كاوتش سيارة أخرى وفى المستشفى عرفت أن كل عظامى تقريبا إتكسرت

حتى أن الأطباء إندهشوا أننى مازلت على قيد الحياة وبعد سلسلة عمليات تحولت من فتاة كلها طاقة وحيوية لنصف إنسان يعيش على كرسى متحرك ومع ذلك قررت أن أعود الى الجامعة خاصة أنى لم أدخل إمتحانات التيرم الأول  وقلت حتى لو عدت السنة فيكفى أن أعيدها ب6 مواد فقط  وكان الأمر صعباً جدا خاصة أننى كنت أذهب الى الجامعة بالكرسى المتحرك الى أن جاء والدى فى يوم ليزورنى فى القاهرة وقد كان أقرب إنسان لى فى الدنيا ولا أدرى لماذا شعرت وقتها بشيء غريب وبعد سفره لم يتصل بى لاهو ولا أمى وإخوتى لعدة أيام وكنت كلما أتصل بهم وأسأل عنه يدعوا أنه ليس بالمنزل فحاولت أن أستخدم العكازات لتساعدنى على الحركة والسفر الى الغردقة وهناك عرفت أن والدى توفى وإنهم خافوا أن يبلغونى بالخبر حتى لا تسوء حالتى أكثر.


وكيف واجهت الحياة بعد وفاة والدك ؟!
كانت صدمة فعلا ولكن المصيبة الأكبر عندما تعرضنا لأزمة مالية كبيرة بعد وفاته فقدنا على إثرها كل ما نملك حتى الشقة التى أعيش بها فى القاهرة حجز عليها البنك ولم يكن معى أى شىء فى الدنيا سوى 10 جنيهات، حتى ساعة يدى اضطررت لبيعها وأصبحت فى الشارع لولا أن محامى والدى أعطانى بيتاً صغيراً فى السيدة زينب لأعيش فيه بشكل مؤقت وإشتريت بالعشرة جنيه منظفات وكيس شاى وكيلو بقسماط ، وقررت أن هذا البيت سيكون بداية جديدة

وكنت أذهب الى من السيدة الى الجامعة بالعكازات لإنى لم يكن معى ثمن  المواصلات ولا حتى الدواء أو المسكن وكان المفروض أن أبدأ جلسات علاج طبيعى وطبعا كان مستحيل فبدأت أبحث فى الكتب القديمة التى تباع على الرصيف عن ما يمكن أن يفيدنى فى تعليم طرق العلاج الطبيعى خاصة بعدما بدأت أفقد الإحساس بيدى أيضا نتيجة عدم العلاج والمجهود

لأنى كنت أستلف ورق الملخصات من زملائى وأذهب الى البيت لأنقله بيدى اليسرى وأعيده تانى يوم ، فلم يكن معى حتى ثمن تصوير الورق وطلبت من أقرب صديقة لى والدها يملك أكبرسلسلة صيدليات فى مصر أن أعمل عنده فى أى فرع أنظف الصيدلية وأرتب الأدوية ففوجئت بها بعد يومين تأتى لى بقرص دواء وتقول لى: "يا يسرا أنتى حتى لو اشتغلتى عند بابا وأخدتى فلوس حتعملى إيه فى مرضك خدى القرص ده حيموتك وترتاحى من ألامك وحياتك" ، وفى تلك اللحظة قررت أن أبتعد عن كل الناس وطلبت من معيد عندى أن أنظف له المكتب ، ورغم إنى بيد واحدة إلا أنه وافق ومع الوقت أصبحت ذراعه اليمين والمسئولة عن كل مشاريع المكتب لأنى كنت طالبة مجتهدة جدا ، وفى أخر سنة فى الجامعة قابلت زوجى

وكانت بيننا قصة حب من قبل الحادثة فعرض على الزواج وقلت له أنا غير قادرة على الزواج جسديا ولا ماديا ولكنه أصر وبالفعل تزوجنا ورغم صعوبة ظروفى إلا أننى أنجبت إبنتى الأولى وأصيبت بعدها بجلطات فى رجلى أجريت على إثرها عدة عمليات وبعدها بثلاثة شهور نزلت الشغل وكنت أعمل 18 ساعة لأحصل على راتب 2مهندسين ولكنى لم أستطيع الإستمرار فتركت الهندسة وإشتغلت مدرسة فى مدارس دولية ونجحت جدا الى أن حملت فى إبنتى الثانية وبعد ولادتها أصيبت بجلطات أخرى أضطر الأطباء على إثرها استئصال أجزاء من قدمي .


فى تلك الرحلة الطويلة مع الألم متى كانت لحظة التحول ؟
فى غرفة العمليات سألت الطبيب تعتقد سأستطيع فى يوما ما أن أتحرك وأرسم مرة أخرى ، فأجابنى ألست مؤمنا ؟! فقلت له نعم فقال "الله وحده هو القادر على أن يجعل منك معجزة " ونزلت على تلك الكلمات كالثلج على النار وشعرت أننى فى يوم ما سأصنع المستحيل .


وكيف بدأت رحلتك مع الرياضة ؟
عندما إنتقلت مع زوجى للخارج كنت أنزل لأوصل بناتى للمدرسة وأنا أمشى بالعافية وكنت  دائما ما أرى سيدة إيطالية تجرى كل يوم فى الصباح فقررت أن أفعل مثلها وطبعا هذا كان هو المستحيل بعينه لواحدة بتمشى بمعجزة فبدأت أقرأ فى الرياضة وأدرس وألتحق بمجموعات رياضية للجرى حتى قررت أتمرن مع ناس محترفة وكان المدرب يعاملنى بإزدراء لكونى مصابة فى كل مكان فى جسدى وأريد أن أجرى ولكن معاملته تلك خلقت بداخلى شعورا أقوى بالتحدى حتى دخلت بطولات دولية فى الجرى والعجل والسباحة فى فرنسا وإيطاليا وبيروت وفى ماليزيا دخلت بطولة يشارك بها 7000 إمرأة أول خمسين منهن  تكتب عنهن الصحف والجرائد وحصلت على المركز ال43 رغم كل ظروفى

وأصبحت النموذج لكل الرياضين فى معظم المسابقات التى دخلتها لدرجة أن المدرب الذى كان يسخر منى قال أمام الجميع أننى بقوتى وإرادتى أعطيته أهم درس فى حياته وفى يوم إلتقيت بمدرب إنجليزى من أصل مصرى قال لى أنه يتمنى أن ينشىء أكاديمية لتعليم الأطفال رياضة الترياثلون فى مصر وهى نفس الرياضة التى ألعبها وعندما عدت الى مصر كنت قد نسيت الموضوع حتى فوجئت بإتصال منه ليذكرنى بحلمه وبالفعل أنشئنا الأكاديمية بعدة فروع فى دول مختلفة وأصبحت أنا المشرفة على كل فروعها وتدريب الأطفال والكبار .


ماذا عن موقف زوجك ؟
كان السند والأمان ، فلولاه ما وصلت لما أنا فيه فقد تحملنى كثيرا ووقف بجانبى وبدأ هو ايضا يلعب رياضة ليشاركنى حلمى ونفس الشىء بناتى فهم أيضا أعضاء معى فى الأكاديمية ويمارسن الرياضة بشكل منتظم .


بما تنصحين من يتعرض لبعض الظروف السيئة سواء صحية أو نفسية فيستسلم للإحباط والإكتئاب ويتصور أن حياته إنتهت ؟
بالتمسك بالإراده و والصبر وإيمانه بأن الله لم يعرضه لتلك الأزمة عبثا وإنما له غرض منها فربما كان هذا الإبتلاء هو السبب الذى سيغير له كل حياته لذا فعلينا جميعا مهما كانت الظروف أن نعافر ونقاوم حتى أخر لحظة لنا فى الدنيا ولا نستسلم أبدا لأى ظروف مهما كانت صعبة.




الاكثر قراءة