رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

"الشباب" تروي قصة البطل الحقيقي‮ ‬لفيلم‮ "‬في‮ ‬بيتنا رجل‮"‬

15 سبتمبر 2018
وليد فاروق محمد

حسين توفيق قام باغتيال أمين عثمان واختبأ من البوليس في منزل إحسان عبد القدوس

هرب قبل النطق بالحكم بأيام لينقذ السادات ووزير خارجيته إبراهيم كامل من السجن
مفاجأة.. حسين توفيق كان سبباً في كشف تنظيم الإخوان عام 1965 والقبض علي سيد قطب وإعدامه
لماذا اختار المخرج العالمي ديفيد لين عمر الشريف بدلاً من رشدي أباظة لبطولة فيلم "لورانس العرب"؟!
عبد الحليم حافظ كان مرشحاً لبطولة الفيلم.. ولكن محمد عبد الوهاب رفض لأن الدور بلا غناء
زبيدة ثروت اسمها علي التتر قبل عمر الشريف ورشدي أباظة.. والمخرج يستعين بالشيخ عبد العظيم زاهر لرفع أذان المغرب
إحسان عبد القدوس اعتبر "القاتل" شهيداً عام 1948.. ولكن الحقيقة أنه مات عام 1983 بعدما قضي  معظم عمره بالسجون


في بداية تتر فيلم "في بيتنا رجل" كان هناك شكر موجه إلي محافظ القاهرة ووزارة الداخلية وجامعة القاهرة وجهات أخرى بسبب "ما بذلوه من جهد صادق وتعاون وثيق ومساعدات قيمة حققت للفيلم ما نفخر به من واقعية وروعة"، المقصود هنا ليس واقعية أماكن التصوير فقط.. ولكن الأدق هو تصوير معظم المشاهد في أماكنها لأن القصة بأكملها كانت مستوحاة من حادثة حقيقية أثارت جدلاً كبيراً في مصر قبل ثورة 23 يوليو 1952 واستمر بعدها، وبطلنا هذه المرة ضمن هذه السلسلة هو "حسين توفيق" الذي قام باغتيال "أمين عثمان" الوفدي الشهير، ولكي تكتمل الإثارة فإن شريكه في الاتهام بالقضية كان أنور السادات أحد الضباط الأحرار فيما بعد والذي أصبح رئيساً للجمهورية.. والمدهش أن حسين توفيق عندما هرب من السجن لم يجد ملجأ سوى بيت إحسان عبد القدوس.. مؤلف الفيلم نفسه!.


بداية الحكاية
 قبل أن نتوقف مع الفيلم نروي الحكاية الأصلية، طبقاً‮ ‬لأوراق القضية‮ رقم ‬1129‮ ‬لسنة‮ ‬1946‮ فإن القصة ترجع لعام‮ ‬1942‮ ‬عندما كون حسين توفيق مع زملائه الطلبة جمعية سرية وطنية الغرض منها تطهير مصر من الاحتلال والخونة، وشهدت السنوات الأولي من الأربعينيات  ‬تكرار القبض علي‮ ‬حسين توفيق وبعض شباب مجموعته عدة مرات والإفراج عنهم لعدم وجود أدلة كافية،‮ وبالصدفة التقي‮ ‬حسين توفيق عند أحد أصدقائه بشاب ذكي‮ ‬لماح لديه خبرة جيدة بالعمل العسكري‮ ‬ويكبره بـ‮‬7‮ ‬سنوات وهو محمد أنور السادات والذي انضم إلي ‬جماعته،‮ ووقتها خرج أمين عثمان بتصريحه الشهير الذي‮ ‬وصف فيه علاقة مصر وإنجلترا بأنه‮ "زواج كاثوليكي‮ ‬دائم" فقرر حسين توفيق اغتياله،

وكان ضمن أفراد المجموعة الطالب محمد إبراهيم كامل وهو ابن خالة حسين توفيق وقد ‮‬أصبح وزيراً‮ ‬للخارجية فيما بعد خلال رئاسة أنور السادات ثم استقال اعتراضاً‮ ‬منه علي‮ معاهدة ‬السلام مع إسرائيل عام 1979‮، وفي‮ ‬6‮ ‬يناير‮ ‬1946‮ ‬انتظر حسين توفيق وزميله محمود مراد أمام باب عمارة رابطة النهضة في 24 شارع عدلي بوسط البلد ثم جاء أمين عثمان وأطلق حسين عليه الرصاص بكثافة وهرب،‮ ‬ووقتها أفاد أحد شهود العيان بأنه شاهد ابن توفيق باشا أحمد وكيل وزارة المواصلات مراراً‮ ‬يراقب مقر الوزارة، وبدأت التحقيقات وتساقط جميع أفراد الجماعة بمن فيهم أنور السادات والذي ويذكر في مذكراته "‬البحث عن الذات" ‬أن وكيل النيابة لجأ إلي‮ ‬حيلة حتي‮ ‬يدفع حسين توفيق إلي‮ ‬الاعتراف بما جري‮ ‬وهو أنه أوحي‮ ‬للصحف بأن تنشر أن الحادث تم لأسباب نسائية،

وبالفعل اعترف حسين توفيق بكل شيء‮، ويحكي‮ ‬السادات كيف احتالوا علي‮ ‬المحققين ليضللوهم،‮ ‬وكيف أنكر صلته بالقضية،‮ ‬وادعي‮ ‬تعرضه للتعذيب‮، ‬ويذكر محمد إبراهيم كامل فى كتابه "السلام الضائع" أن حسين توفيق هرب بعد إطلاقه النار وتدخلت الصدفة البحتة فى القبض عليه، فوالده كان مشهورًا بالشدة والصرامة وحدث أن طرد أحد موظفى وزارته لسوء سلوكه، وكان هذا الموظف يعرف حسين وكراهيته للإنجليز، وشاءت الظروف أن يلتقى به قبل الحادث واقفًا أمام مقر "الرابطة المصرية الإنجليزية" حيث كان يدرس العملية، فحياه هذا الموظف ثم انصرف بعدها،

ولما وقع الحادث توجه الموظف إلى البوليس وأبلغ عن حسين على سبيل التخمين انتقاماً من والده، لكن التخمين أصبح حقيقة بعدما ذهب البوليس إلى فيلا العائلة منتصف ليلة الحادث وعثر على أسلحة مخبأة ومفكرة تحتوى على عبارات عدائية ضد الإنجليز وأعوانهم، وقد ظل القضاء ينظر قضية أمين عثمان سنة وسبعة أشهر على مدار 84 جلسة  وبلغ عدد صفحات التحقيق فيها 1580 صفحة، وفي يوم ‮ ‬9 يونيو‮ ‬1948‮ نجح حسين توفيق في‮ ‬الهروب بعد حصوله علي‮ ‬إذن بزيارة الطبيب برفقة أحد الضباط ‮، ‬وهو ما دفع وزارة الداخلية لأن تعرض مكافأة خمسة آلاف جنيه لمن‮ ‬يدلي‮ ‬بمعلومات تساعد في‮ ‬القبض عليه، وهنا يبدأ دور إحسان عبد القدوس.


الرواية
عندما هرب حسين توفيق لم يجد إلا أحد أصدقائه واسمه "سعد كامل" ليذهب إليه متخفيا، وكان سعد صديقا للأديب أحسان عبد القدوس ففكر في أن يخفى توفيق لدى هذا الصحفي والأديب الذى لن يشك أحد في تواجده عنده، واتصل بإحسان عبد القدوس الذى لم يتردد في مساعدة شاب وطني عرف عنه مقاومة الانجليز

رغم مكافأة الخمسة آلاف جنيه التي تم رصدها لمن يرشد عنه، ورغم إخفاء عبد القدوس لحسين توفيق لديه لكن البوليس السياسي كاد أن يوقع به في بيت إحسان بسبب وشاية أحد العاملين بالمنزل، ونجح إحسان في تهريبه قبل وصول البوليس.
10 أيام كانت المدة التي قضاها حسين بمنزل إحسان عبد القدوس ثم تم تهريبه وهو يرتدي بذلة ضابط بوليس، وبعدما تأكد من هروب حسين إلي سوريا.. كتب إحسان عبد القدوس مقالا بعنوان "بينى وبين حسين توفيق" فى مجلة "الاثنين والدنيا" عدد يوليو 1948

وقال فيه "إن العلاقة بينى وبين حسين توفيق هى أغرب علاقة قامت بين كاتب وقارئ.. فمنذ أن أطلق حسين توفيق النار على أمين عثمان، وأنا أحس كلما أمسكت قلمى لأكتب مقالا أنى أكتب له، وأن صورته تلاحق كلماتى وتسألنى معانيها وما أقصده من ورائها، وكان حسين يبادلنى نفس الشعور، ويعتبر مقالاتى خطابات شخصية له، وكان يجد أن من حقه أن ينتقدنى فيما أكتب ويناقشنى فيه ويغضب منى ويغضب لى، ولكن حسين توفيق لم يكن يمثل أمامى شخصه فقط، بل كان يمثل جيلا كاملا انتمى إليه، ويعانى مثل ما أعانيه من حيرة وكبت.. جيلا يحقد على التاريخ لأنه لم يعش فيه، ويحقد على الحاضر لأنه لا يؤمن به، ويحقد على المستقبل لأنه لا يستطيع أن يطمئن إليه..

جيلا ينظر إلى زعماء بلده فلا يجد خيطا واحدا يصل بينه وبينهم، أو بينه وبين واحد منهم، ويحاول أن يسمع فى أقوالهم أو يرى فى أعمالهم صدى لآرائه وترجمة لعاطفته فلا يسمع ولا يرى شيئا يقربه إليهم"، وبعد ثورة يوليو 1952 أعلن إحسان عن تفاصيل إخفاءه لحسين توفيق القصة وكتب روايته "في‮ ‬بيتنا رجل" في عام 1954،  وهي‮ ‬رواية شديدة الواقعية نقلت قصة حسين توفيق واغتيال ‬ أمين عثمان، وهي ليست رصداً لواقعة سياسية ولكنها بانوراما اجتماعية من خلال صورة اجتماعية لعائلة بسيطة بأدق تفاصيل حياتها، وهي تتعرض لقيم وعادات وعلاقات أفرادها مع بعضهم، كما يسرد لنا الكاتب حال عائلة مصرية فى شهر رمضان الكريم.
 
الفيلم
"في بيتنا رجل" هو أحد أشهر أفلام السينما المصرية، وهو مأخوذ بشكل كامل عن قصة إحسان عبدالقدوس وكتب له السيناريو والحوار يوسف عيسى وأخرجه هنري بركات وعرض عام 1961، ولسنوات طويلة اعتبره النقاد ضمن أفضل الأفلام التي تعزف على الوتر الوطني وسط أجواء اجتماعية ورومانسية، خاصة وأنه قدم شخصيات نابضة بالحياة من الطبقة الوسطى القريبة إلى أجواء آلاف العائلات المصرية وقتها، كما إنه لم يلجأ للشعارات المباشرة أو الصراخ المفتعل، وقد احتل الفيلم المركز 23 في قائمة أفضل100 فيلم مصري في التاريخ، ويعتبره كثيرون أروع أفلام المخرج هنري بركات على الإطلاق، حيث ربط فيه بين الرومانسية التي اشتهر بها في أفلامه السابقة على هذا الفيلم، والواقعية التي تتحول لديه إلى شاعرية مليئة بالشجن والحنان، من خلال الربط بين شريان الوطنية وشريان القلب، كما قدم عمر الشريف في الفيلم واحداً من أجمل أدواره في السينما المصرية، وبرع كل الأبطال في أدوارهم مثل زبيدة ثروت ورشدي أباظة وحسن يوسف وزهرة العلا وحسين رياض ويوسف شعبان وتوفيق الدقن وفاخر فاخر، وجاء مشهد نهاية الفيلم ليفتح المجال لكل الاحتمالات بعدما صمم البطل على البقاء داخل مصر ورفض فكرة السفر هرباً من الملاحقة الأمنية ليواصل كفاحه ضد المحتل ثم يستشهد، علماً بأن النهاية الحقيقية لحسين توفيق كانت مختلفة تماماً، وقد انتهى الفيلم بعبارة "من استشهد في سبيل بلاده لم يمت.. والحرية أغلى من الحياة"، وبدلاً من وضع كلمة "النهاية" كالعادة كتبت على الشاشة عبارة "كانت هذه هي البداية"، وهو ما اعتبره كثيرون إشارة لثورة يوليو واعتبار ما حدث حلقة ضمن حلقات الكفاح ضد المحتل.


كواليس الفيلم
تحولت الرواية بعد نجاح الفيلم إلى مسرحية عرضت بنفس الاسم وقدمتها الفرقة القومية خلال شهر رمضان عام 1962 وحققت نجاحا كبيرا نتيجة لصدى النجاح الذى حققه الفيلم، وبالعودة للفيلم سنجد أن عمر الشريف كان الأكثر نجومية وبدأ مشواره مع البطولة قبل سنوات.. والحال نفسه لرشدي أباظة، ولكن اسم زبيدة ثروت جاء في صدارة أبطال الفيلم بلا مبرر واضح رغم أن عمرها وقتها كان 21 عاماً فقط، وللمرة الأولي شارك أحد الشيوخ بشخصيته الحقيقية في الفيلم..

فقد استعان المخرج بالشيخ عبد العظيم زاهر لرفع أذان المغرب وقت الإفطار عند هروب إبراهيم حمدي من البيت، وقد نشرت مجلة "صباح الخير" خبراً في عام 1960 نصه أن الأديب إحسان عبد القدوس اختار المطرب عبد الحليم حافظ لبطولة الفيلم المأخوذ عن قصته "في بيتنا رجل" رغم أن دور "إبراهيم حمدى" في الفيلم لا يتضمن الغناء، وكان عبد الحليم متحمساً جداً ولكن الموسيقار محمد عبد الوهاب رفض هذا الترشيح بحكم وجوده في الشركة المنتجة للفيلم بحجة أن الجمهور عرف عبد الحليم بالغناء وأن التمثيل بدون غناء قد يغضب الجمهور ويخسر الفيلم في السوق، فأسند بطولة الفيلم إلى عمر الشريف وحقق الفيلم في وقت عرضه نجاحا كبيرا وحصد إيرادات ضخمة بمقاييس هذا العصر..

بل وربما لا يعرف كثيرون أن هذا الفيلم كان سبباً في وصول عمر الشريف إلي العالمية، والحكاية أنه في أثناء تصوير الفيلم كان المخرج العالمي ديفيد لين يبحث عن ممثل بملامح شرقية لكي يشارك في بطولة الفيلم الشهير "لورانس العرب" مع النجم بيتر أوتول، وجاء بالفعل ديفيد لين لمشاهدة رشدي أباظة والذي رفض الخضوع لاختبار كاميرا، فقرر المخرج الذهاب لمشاهدته في فيلم "في بيتنا رجل" المعروض بسينما "ديانا"، ولكن بدلا من أن يلتفت ديفيد لين إلى رشدي أباظة انجذب إلى عمر الشريف وطلب مقابلته وعرض عليه المشاركة في فيلم "لورانس العرب" لتكون هذه هي بداية مشوار عمر الشريف مع السينما العالمية.


مصير البطل
نعود للبطل، الرواية والفيلم توقفا عند هروب حسين توفيق، ولكن.. ماذا حدث له بعد ذلك؟!  فالحقيقة أن بقية القصة ربما تصلح فيلماً تفاصيله أكثر غموضاً وإثارة من الأول، حسين توفيق ولد في‮ ‬27‮ ‬ديسمبر عام‮ ‬1925‮ ‬في‮ ‬بيت أرستقراطي‮ ‬كبير،‮ ‬ ‬وقد تعلم ‮ ‬في‮ ‬مدرسة الفرير ‬ثم انتقل إلي‮ ‬مدرسة فؤاد الأول الثانوية وتأثر كثيراً بصعود الحركة النازية في‮ ‬أوروبا، وتحقيقات حادث اغتيال أمين عثمان في‮ ‬فبراير عام‮ ‬1946‮ تكشف أنه شارك

وهو طالب بالثانوية في‮ ‬إحراق نحو‮ ‬30‮ ‬سيارة للإنجليز،‮ وقد صدر عليه بعد هروبه من السجن حكم‮ ‬غيابي‮ ‬بالسجن 10 سنوات وبما‮ ‬يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات لباقي‮ ‬المتهمين وببراءة محمد أنور السادات ومحمد كامل،  ‬وبعث حسين توفيق بخطاب إلي‮ ‬الكاتب إحسان عبد القدوس‮ ‬يخبره فيه أنه في‮ ‬طريقه لمحاربة الصهيونية، وهناك انضم إلي‮ ‬حركة القوميين العرب

وحاول في عام‮ ‬1950‮ ‬اغتيال نائب رئيس الأركان العقيد أديب الشيشكلي وقبض عليه‮ وحكم عليه بالإعدام،‮ ‬إلا أن تنفيذ الحكم أوقف بعد قيام حركة‮ ‬23‮ ‬يوليو عام‮ ‬1952‮ ‬بوساطة من الرئيس عبد الناصر، وغاب اسم حسين توفيق ولم‮ ‬يظهر مرة أخري إلا عام‮ ‬1965‭، وطبقاً‮ ‬لمذكرات اللواء فؤاد علام فقد كشفت مباحث أمن الدولة عام‮ ‬1965‮ ‬تنظيماً‮ ‬جديداً‮ ‬كان‮ ‬يسعي‮ ‬لاغتيال عبد الناصر كان علي‮ ‬رأسه حسين توفيق والذي‮ ‬كشف خلال اعترافاته تنظيم الإخوان الشهير الذي‮ ‬أعدم فيه سيد قطب، حيث اعترف ‬توفيق ‬بأن ابن خالته وهو عضو بالإخوان‮ ‬يجمع سلاحاً‮ ‬لتنظيم سري‮ ‬جديد بالإخوان وهو ما أدي إلي‮ ‬القبض علي‮ ‬الآلاف منهم،‮  وتم الحكم علي حسين توفيق بالمؤبد وظل في‮ ‬السجن ‬حتي‮ ‬عام‮ ‬1983‮ ‬عندما أفرج عنه صحياً وقضي‮ ‬مع أسرته شهوراً‮ ‬قليلة قبل أن‮ ‬يرحل في هدوء.


بطل أم مجرم؟!
حوادث الاغتيال السياسي علي مر العصور تظل دائماً مثار جدل لا ينتهي.. فمن وجهة نظر مؤيديها هي عمل وطني يستحق الإشادة، ولكن علي الجانب الآخر هناك من يعتبرها جريمة قتل لا مبرر لها، والتاريخ كما نكرر دائماً يكتبه "المنتصرون" وحسب مصالحهم تتوجه بوصلة "صكوك الوطنية"، وحسين توفيق تم تصويره في الرواية والفيلم باعتباره "بطلا فدائيا وطنيا"، لكن الحقيقة أن المتتبع الجيد لمسيرته يلحظ تطرفه الشديد لأن مقياس الخيانة عنده هو مخالفة رأيه وتوجهاته

ولذلك كان لا‮ ‬يقبل بأنصاف الحلول وحياته كانت دراما مليئة بالدماء والرصاص، وهنا يكمن سحر تأثير السينما والتي جعلت منه – بسبب طبيعة الشخصية التي صاغها إحسان عبد القدوس - بطلاً ‮ ‬يستحق التقدير،‮ وقد قتل ‬أمين عثمان ‬ثم شاء القدر أن‮ ‬يفلت من الموت ويذهب إلي‮ ‬سوريا ليطلق الرصاص علي‮ ‬أديب الشيشكلي‮ ‬رئيس وزرائها ويحكم عليه بالإعدام،‮ ‬ثم‮ ‬يفلت مرة ثانية ويعود إلي‮ ‬مصر ليحاول اغتيال جمال عبد الناصر عام‮ ‬1965،‮ ‬لذا فهو السياسي‮ ‬الوحيد الذي‮ ‬أفلت من الإعدام ثلاث مرات..

ورغم شهرته فقد رحل في صمت ولم ينل شيئاً ولم يتبق من سيرته سوي فيلم سينمائي، والسؤال هنا الذي أترك إجابته للقارئ: مقدمة الفيلم جاءت عبارة عن خطبة ملحمية لكفاح المصريين ضد المحتل للتمهيد بأن حادث اغتيال أمين عثمان كان عملاً وطنياً.. هل لو تم عرضه بعد عام 1965 بعدما تورط حسين توفيق نفسه في محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر كان سيتم تمجيده بنفس الطريقة؟!

وسؤال أخير.. بطل فيلم "في بيتنا رجل" قرر "تخوين" معارضيه وأطلق الرصاص ثم ذهب للاختباء عند أسرة مصرية عادية.. أما بطل فيلم "الإرهابي" الذي جسده عادل إمام فقرر "تكفير" معارضيه وفعل نفس السيناريو.. ما الفارق بين الاثنين؟!.




الاكثر قراءة