رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

بعد هدم سينما فاتن حمامة.. "الشباب" تطرح السؤال: هل تصبح مصر بدون سينما خلال سنوات؟!

31 اغسطس 2018
محمود شعبان

تصوير: محمد عبد المجيد


هدم "ماجدة" في المنوفية و"إسماعيل يس" في السويس و"فريد شوقي" في باب الشعرية
كارثة..  350 دار عرض في عام 1954 أصبحت 92 داراً فقط
سينما سيدة الشاشة العربية بدأت بالريحاني وانتهت بإلهام شاهين!
شاهد عيان: مقاعد المتفرجين باعها الملاك لأصحاب عربات الروبابيكيا!
تقرير رسمي: 58 دار عرض سينمائي تم هدمها خلال 6 سنوات فقط
سينما ريو تنتظر قرار الإزالة وجرين بالاس معروضة للبيع
الناقدة ماجدة موريس: الدولة قررت إنشاء دور عرض جديدة لحماية صناعة السينما


مستحيل أن يتعامل مجتمع مع معالمه الثقافية والفنية بهذه الطريقة، فقد فقدت مصر العشرات من المسارح ودور العرض السينمائي خلال السنوات الماضية، وكانت سينما فاتن حمامة التي يجري هدمها الآن بـ "القانون" مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الإهمال الذي أدى إلى حرمان أجيال كاملة من متعة الذهاب إلى السينما.. كانت هذه القضية قد تفجرت على صفحات السوشيال ميديا خلال الأيام الماضية في حين تجري معاول الهدم على قدم وساق لإزالة هذه السينما التي كانت بمثابة منارة فنية وثقافية لمدة عقود مضت..

السطور التالية لا تتوقف عند هذا المشهد المؤلم والذي أخذ حقه من الجدل، وإنما يبقى السؤال الأهم وهو كم تبقى لدينا من دور العرض السينمائي؟ وما حقيقة طرح العديد من دور السينما الأخرى للبيع؟ وما مصير سينما الأقاليم ولماذا يعجز القانون عن حماية هذه الأماكن من الزوال؟ التفاصيل في سطور التحقيق التالي:     

البداية بالنسبة لنا كانت من مشهد الهدم، حيث اكتفى مالك الأرض بوضع أغطية على المبنى القديم، في حين تقوم معاول الهدم من إحدى الحارات الخلفية بالإجهاز على ما تبقى من تفاصيل وذكريات الزمن الجميل.. المعلومات التي حصلنا عليها من موقع الحدث تؤكد أن السينما تحولت في السنوات الأخيرة لخرابة بعدما توقف نشاطها وضعف الإقبال عليها، مما عرض الشركة المالكة لها لخسائر كبيرة. كما ذكر بعض السكان أن المكان تحول لوكر لتعاطي المخدرات. 

 
مالك العقار الجديد يُدعى المقاول رفعت الأبنودي، والذي أعلن أن الأرض المقام عليها دور العرض كانت ملكية خاصة لأولاد جاد مصطفى حسن منذ عام 1953، وتم تأجيرها لإحدى شركات الإنتاج السينمائى سنة 1984، وتأجيرها مرة أخرى عام 2002 لإحدى شركات الإنتاج حتى عام 2014، إلى أن تم عرض المبنى للبيع. وتقدم لشرائها لإقامة برج سكني يحمل اسم سيدة الشاشة العربية، مؤكدا أن المبنى ليس خاضعا لوزارة الثقافة وليس له قيمة معمارية.  


لكن الموقف القانوني للهدم يبدو سليما بشكل تام، والقصة تعود إلى عام 2002، حيث نص التقرير الخاص بتصريح هدم السينما والذي أتاحه مالك العقار للنشر بأن المادة الثانية من القانون رقم 67 لسنة 1979 بالترخيص بإنشاء دور العرض السينمائي بإحلال مباني جديدة بدلا من الدور الحالية بشرط إعادة إنشاء دور العرض التى كانت عليها من قبل، قد سقطت بحكم من المحكمة الدستورية العليا، حيث إن المحكمة الدستورية العليا قد قضت بجلسة 14 ديسمبر 2003 في القضية رقم "150 دستورية"

بعدم دستورية نص المادة المشار إليها ومن ثم يزول القيد الذي كان يفرضه المشرع بموجب النص المقتضى بعدم دستوريته على ملاك العقارات في مباشرة حق التصرف في ملكيتهم الخاصة أو استغلالها بالأسلوب الذي يرونه وذلك بعدم إلزامهم بإقامة دور عرض سينمائية في مبانيهم الجديدة..

هذا القيد قد زال بصدور حكم المحكمة الدستورية سالف الإشارة إليه ويكون بوسع صاحب دار العرض السينمائي هدم وإزالة المبنى الذي يملكه دون ثمة إلزام بإقامة دار عرض سينمائي أخرى جديدة. وبمقتضى هذا الحكم أصبح في مقدور ملاك دور العرض السينمائي هدمها وإعادة بناء مولات أو أبراج سكنية مكانها.

 
سينما "نص لبة"!
يدور حول سينما فاتن حمامة تحديدا الكثير من الطرائف، حيث يذكر بعض الأهالي أن هذه السينما يعود تاريخها لما قبل ثورة يوليو، وكانت تعرف بين الأهالي باسم سينما "نص لبة"، لكن اسمها الحقيقي هو سينما ميرندا، إلى أن قام وزير الثقافة الأسبق عبد الحميد رضوان بإطلاق اسم فاتن حمامة عليها عام 1984، وكانت الشركة العربية للإنتاج والتوزيع الإعلامي هي التي تتولى تأجير وتشغيل السينما قبل نحو 5 أعوام حتى تركتها لملاكها الأصليين عقب وفاة الفنانة فاتن حمامة مباشرة في يناير 2015. ومن الطرائف أن هذه السينما قد بدأت تاريخها ببعض الأفلام لعلي الكسار ونجيب الريحاني وأنور وجدي ثم كان آخر الأفلام التي عرضت على شاشتها هو فيلم "ريجاتا" للفنان عمرو سعد والفنانة إلهام شاهين.    


وطيلة الأعوام الثلاثة الماضية عقب توقف نشاط السينما تحولت إلى خرابة تأوي الكلاب الضالة وحولها حراسها لمكان عشوائي.. لكن الأكثر طرافة أنه في الواجهة المقابلة للسينما يوجد محل "ترزي" وأزياء حريمي، هذا المحل يحمل اسم "فاتن" ، حيث يحكي صاحبه شريف على (50 عاما) أن اسم فاتن الذي يُطلق على محله أسبق من إطلاق اسم فاتن حمامة على سينما ميراندا، مؤكدا أن الأمر مجرد صدفة غريبة، ويضيف: لا يمكن أن نتصور المنيل بدون سينما فاتن حمامة فهي جزء من ذاكرة المكان وتراثه، وهي أشبه بمحطة على الطريق، وهذه السينما في الماضي كانت تخلق حالة من الونس والروح الحلوة في المكان، وكان الأهالي يطلقون عليها "نص لبة" لأنها كانت تقدم 3 أفلام في الحفلة الواحدة ثم تعيد الفيلم الأول!

وقد حضرت شخصيا حفل افتتاح السينما وتطويرها وإطلاق اسم فاتن حمامة عليها عام 1984 وحضر هذا الحفل العديد من النجوم الكبار كان على رأس وحش الشاشة فريد شوقي، أيضا مما يُروى عن هذا المكان أن الرئيس السادات دخل هذه السينما ليلة قيام الثورة بصحبة زوجته جيهان، حيث إنه من المعروف أن السيدة جيهان السادات كانت وربما لا تزال تسكن على مقربة جدا من هذا المكان، أيضا كانت حفلات افتتاح الأفلام بها تعج بالفنانين والمشاهير، وكانت السينما كاملة العدد دائما، وليس صحيحا أنها تعرضت لخسائر، فكان يأتي إليها جمهور من كل المستويات وكانت تقيم حفلات يومية، وأنا شخصيا كانت تربطني علاقة طيبة يجميع العاملين بها،

ولكن في الآونة الأخيرة رأيناها وهي تتعرض للهدم، كما رأيت سيارات النقل تأتي تحمل معها الكراسي أو المقاعد والمعدات والتجهيزات وقطع الأثاث التي بها، حيث تردد أنه تم بيعها لباعة الروبابيكيا، أما أصحاب المحلات التي كانت تقع تحت السينما فقد قام المالكون الجدد بتعويضهم وحصل كل صاحب محل على خلو رجل بـ 800 ألف جنيه، أما الأرض التي تقع عليها السينما فقد تم تقدير قيمتها بنحو 30 مليون جنيه.  


البقية تأتي
خلال الأعوام الماضية فقدت مصر العديد من دور السينما، حيث أكد  تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بعنوان مصر في أرقام لعام 2014، أنه خلال الأعوام الثلاثة التي سبقت التقرير كان عدد دور السينما في مصر  حوالي 92 داراً حتى عام 2012، مقارنة بـ 100 دار عرض حتى 2011 و 150 دارا حتى عام  2008، مما يشير إلى أن هناك  58 دار عرض سينمائي تعرضت للهدم والإزالة في الفترة ما بين  2008- 2014 وبعضها دور عرض تنتمي لفئة الترسو. كما أنه وفقا للمنتج والكاتب ورئيس غرفة صناعة السينما فاروق صبري فقد أكد أن مصر كانت تضم نحو 350 دارا حتى عام 1954، وانخفض العدد إلى 250 دارًا في عام 1966، ثم 190 داراً في عام 1977، مما يعني أن صناعة السينما فقدت نحو  260 دار عرض سينمائي في 60 عاما.


سينما المشاهير
المؤسف حقا أن الكثير من دور العرض التي تعرضت للإزالة كانت تحمل تاريخا عريقا، ثم تحولت أماكنها لأشياء بلا قيمة، ففي محافظة المنوفية كانت توجد سينما تحمل اسم الفنانة ماجدة الصباحى هذه السينما تعرضت للإغلاق والهدم منذ سنوات وتم تحويلها إلى مجموعة محلات تجارية معروفة باسم "اتنين ونص". أما محافظة السويس فقد شهدت إزالة العديد من دور السينما والمسرح كان أشهرها سينما ومسرح إسماعيل يس.  


وفي الوقت نفسه تنتظر الكثير من دور العرض السينمائي مجيء معاول الهدم والإزالة إليها بعد توقفها عن العمل، على رأسها سينما "ريو" التي تقع في باب اللوق وهي دار عرض عتيقة أنشئت في ثلاثينيات القرن الماضي واشتهرت بالأفلام الأجنبية وكانت من أوائل السينمات الصيفية، هذه السينما كانت تعرض ٣ أفلام يوميا خلال شهور الصيف فيلم عربى  و٢ أجنبى وكان بها بلاكون وكان سعر التذكرة ٣.٥ قرش.. هذه السينما تنتظر قرار الإزالة خاصة أنها مملوكة لرجل أعمال حاول تطويرها لكنه فشل فتركها خرابة.


وهناك العشرات من دور العرض الأخرى المغلقة، لعل أشهر سينما فريد شوقي بباب الشعرية، وشهرزاد وجرين بالاس وريفولي بوسط البلد والنزهة ورويال وسينما الكورسال بعماد الدين وسينما المريلاند وسينما مصر وسينما شبرا بالاس.   


دور الدولة
لكن الهدم المستمر لدور السينما لا يعني أن الدولة تقف متفرجة أمام هذا الموقف، وإنما هناك إجراءات وقرارات تم اتخاذها مؤخرا لحماية ما تبقى من تراث السينما إلى جانب إنشاء وافتتاح دور جديدة، هذا ما تؤكده الكاتبة والناقدة ماجدة موريس، حيث تقول: ما جرى لدور العرض السينمائي خلال السنوات الماضية كان جزءا من سلسلة التدهور التي شهدتها الثقافة المصرية، والأمر لم يقف عند حدود دور السينما فقط وإنما تعرضت قصور الثقافة هي الأخرى لهجمة شرسة من الإهمال، من هنا كان يجب على الدولة أن تلتفت لما تبقى من وسائل وأدوات الثقافة الجماهيرية، في هذا الإطار أعلنت الدكتورة إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة،

عن إنشاء الشركة القابضة لدور العرض السينمائي وهذا القرار في غاية الأهمية لأنه معناه أن الدولة ممثلة في وزارة الثقافة سوف تقوم باسترداد مجموعة من دور العرض القديمة من أجل أن تعيد تشغيلها وترميمها وبناء ما تعرض للهدم منها هذا إلى جانب إنشاء مجموعة من دور العرض السينمائي الحديثة، ونحن كنقاد ومهتمين بالعمل السينمائي ندعو الدولة للإسراع في تنفيذ هذه القرارات بحيث تتزامن مع مشروعات البنية التحتية والأساسية التي يجري الاستثمار فيها الآن، خاصة أن السينما والثقافة الجماهيرية عموما هي مجال واعد للاستثمار به ويجب أن تقوم الدولة بتشجيع هذا التوجه.


وتؤكد موريس أن إغلاق وتقليص دور العرض السينمائي يزيد من الملل والاختناق الاجتماعي، حيث تشكل هذه الدور مساحة للفسحة والخروجات خاصة في الصيف، ولذلك كانت السينما الصيفية عبارة عن فسحة للعائلات وليست مكانا لمشاهدة فيلم جديد، ومع الأسف لا يوجد أمام العائلات الآن سوى الكافيهات وهذا شيء غير صحي، ومن جانب آخر فإن ضآلة أعداد دور العرض السينمائي من شأنها أن تضرب صناعة السينما في مقتل، ومع الأسف الكثير من الأفلام يكتفي منتجوها بتقديمها في المهرجانات لتحصل على جائزة، وهذا شيء مؤسف في دولة هي الأقدم في العالم من حيث معرفة فن السينما.





الاكثر قراءة