رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

شكراً يا أستاذ

31 اغسطس 2018
وليد فاروق محمد

جاء صوته علي الهاتف مرحباً.. فتوقعت أنه سيوافق بسهولة علي اللقاء وعمل حوار صحفي، لكنه رفض وقال بلطف "أهلاً بك ضيفاً في أي وقت ولكن كل حكاياتي مكررة، ظهرت في التليفزيون وأجريت حوارات صحفية كثيرة، وإن شاء الله عندما يكون عندي أي شيء جديد نتكلم أهلا وسهلاً..شكراً يا أستاذ" أعجبني ذوقه في الاعتذار.. وتوقفت أكثر عند احترامه لنفسه وتاريخه، لكن لماذا اتصلت أصلاً بالفنان حسن كامي؟! لم يكن هدفي حكاياته الفنية وما أكثرها.. فهذا الرجل الأشقر الذي قارب علي الثمانين تعود أصوله إلي أسرة محمد علي..

كانت عائلته تمتلك آلاف الأفدنة وثروة ضخمة لكن بعد قيام ثورة 23 يوليو تمت مصادرة أملاك العائلة مقابل أن تحصل الأسرة على 150 جنيهاً شهرياً، وبعد منازعات قضائية عاد لوالده 50 فداناً ورث هو منها 26 فداناً قام ببيعهم، وهو حاصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة ودراسات عليا بمعهد الكونسرفتوار، وكان يعمل بالسياحة طوال نحو 60 عاماً حتي قرر تصفية شركته في عام 2012، وتم اختياره لبطولة أوبرا "لا ترافياتا" في 1963 وطوال نصف قرن أصبح فناناً عالمياً حتي قرر الاعتزال وهو يغني أوبرا عايدة للمرة الـ 440 في حياته، وتفرغ للتمثيل وقدم عشرات الأعمال السينمائية والمسرحية الناجحة، لكنني لم أكن مهتماً بما سبق..

وكنت أبحث عن مشاعر إنسانية ومحاولة لرصد مشاهد من لحم ودم، فمثلاً هو كان مرتبطاً بحفل على أكبر مسارح لندن منذ سنوات وتلقي اتصالاً من ابنه الوحيد الذي كان يدرس بكلية الهندسة

قال له: "واحشني وعايز أشوفك" لكنه رد عليه بأنه مرتبط بحفلات كثيرة ولن يستطيع العودة قبل شهر، وقبل صعوده للمسرح تلقي اتصالاً ثانياً من شخص أخبره بأن ابنه عمل حادث ومات! لم يقف معه في أزمته نفسياً إلا زوجته "نجوي" حب عمره والتي تحدي الجميع لكي يتزوجها بسبب اختلاف ديانتاهما.. لكن بعد وفاتها منذ فترة أصبح وحيداً لم يقف معه سوي الوجع، وقد سمعته مرة يقول إنها كانت ملهمته في كل شيء، وهو حتى الآن يراسلها على صفحتها على فيسبوك ويضع صورها في كل مكان في المكتبة والمنزل والسيارة وهاتفه، وهي كانت رئيسة جمعية للأيتام..

ولذلك قرر أن يؤول لهذه الجمعية البيت الذى عاشا فيه تخليدا لذكراها، أيضاً من حوادث حياته أنه يوم حريق الأوبرا الشهير ذهب مع قوات الإطفاء فى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ودخل بالفعل إلى غرفة النوت وبعض المقتنيات وأنقذ بعضها والذى مازال محفوظاً بدار الأوبرا حتى الآن، وهو لا يفعل شيئا حالياً سوي الجلوس داخل مكتبة قديمة في وسط البلد ليبيع الكتب واللوحات الفنية، ويرجع تاريخها إلى القرن التاسع عشر على يد يهودي مصري اسمه "فيلدمان" أسسها لتكون أحد المراجع التي يستعين بها المستشرقون بالغرب في دراساتهم عن الشرق، ورحل فيلدمان عن مصر بعد العدوان الثلاثي عام 1956 متنازلا عن ملكيتها لشارل بحري أحد المثقفين المصريين والذي باعها للفنان حسن كامي بعد 17 عاما، وبعد وفاة زوجته وابنه لم تتبق له سوي هذه المكتبة والتي قال عنها: "طالما الشمس بتطلع وأنا أفطر بيضة وتفاحة، بالدنيا وما فيها، مش عايز حاجة تاني، لا فلوس ولا حب.. كفاية الكتب"

وبالمناسبة.. من شدة حبه لزوجته قام بإهدائها هذه المكتبة بعد شرائها ومنحها 85 % و هو 10 %  و5 % لأحد العاملين الذي اختارته بنفسها ليساعدها فى أرشفة المكتبة، وحسن كامي حالياً لا يفعل شيئاً سوي الجلوس بالمكتبة يومياً والذهاب للمقابر يوم الجمعة لزيارة زوجته وابنه، عموماً، نعود لرفض الرجل لتكرار ظهوره الإعلامي لكيلا يتهمه أحد بالمتاجرة بآلامه أو بعثرة أسراره الشخصية وتفاصيل حياته بين الفضائيات والصحف، تخيلوا لو كل شخص من الذين نراهم لم يظهر في الإعلام إلا للحديث عن معلومة جديدة أو شيء له قيمة..

هل كنتم سترون أحداً؟! وبالمناسبة، بعد حوارنا التليفوني بأيام فوجئت به يظهر ضيفاً على شاشة أحد البرامج التليفزيونية، في البداية تضايقت قليلاً.. ثم بدأت أتابع اللقاء، ومع نهاية البرنامج زال غضبي لأن الرجل مازال عند عهده معي، فهو لم يقل أي جديد وكل ما رواه للمذيعة كانت ذكرياته والتي سبق وتوقف عندها في حوارات صحفية وتليفزيونية كثيرة، كما أن الحلقة تم تصويرها بالمكتبة وهو أيضاً رحب بي ضيفاً عنده ولكنه نصحني بأن ما سيقوله ليس به جديد، حسن كامي .. أنا أيضاً أقول لك "شكراً يا أستاذ".
 

الاكثر قراءة