رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

قصة نجاح شاب مصرى في سويسرا.. هاني بدأ عامل بمطعم وأصبح مدير أكبر مكتب محاسبة بجينيف

10 اغسطس 2018
وليد فاروق محمد

هانى بدأ عاملاً فى مطعم وأصبح مدير أكبر مكتب محاسبة فى جينيف

سافر بعد حصوله على بكالوريوس التجارة  بحثاً عن فرصة عمل .. فلم يجد سوى "تنظيف الخضراوات"

عندما وصل لسويسرا كان بلا إقامة دائمة أو أموال أو لغة أو وظيفة ثابتة.. لكن حياته تغيرت تماماً خلال 5 سنوات

نصيحة هانى لكل شاب يحلم بالسفر: حدد هدفك أولاً ثم كافح لتحقيقه

بالصدفة كنت أتصفح موقع swissinfo.chباللغة العربية.. وهناك تعرفت علي قصته التي تبدو كأنها تصلح حكاية لفيلم عربي يشبه "النمر الأسود" يجسد مشوار كفاح شاب مصري بالغربة، ثم تواصلت معه عبر الفيسبوك واكتشفت أن حياة البشر بتفاصيلها أكثر ثراء من خيال مؤلفي الروايات، 15 عاماً عاشها هاني صبح بعيداً عن وطنه صنع خلالها مستقبله رغم الصعوبات الكثيرة التي واجهته، الفكرة هنا ليست في التشجيع علي خوض نفس التجربة لأنها ربما لن تؤدي بالضرورة للنتائج نفسها.. لكن هاني نموذج لشاب حدد هدفه وخطط له وصبر طويلاً حتى حصد في النهاية.

السفر

بعد تخرجه في كلية التجارة جامعة المنوفية قرر هاني صبح أن يحقق حلمه في السفر، وقتها كان يعتقد أن الحصول علي فرصة عمل في مجال تخصصه بالمحاسبة سيكون سهلاً، سافر إلى سويسرا عام 2002 بتأشيرة سياحة ولم يكن يملك سوي القليل من المال ويجيد التحدث إلي حد ما بالإنجليزية، وكما يقول فإن الأيام الأولي كانت صادمة، فشهادته لم يكن معترفاً بها هناك، وبالتالي لم يجد عملاً في تخصصه، كما أنه بلا إقامة دائمة.. وتكررت معه نفس القصة التي حدثت لآلاف المصريين في الغربة، حيث لم يجد وظيفة سوي "عامل" في أحد المطاعم.. ولأنه لا بديل أمامه لتوفير تكاليف معيشته وافق، لكن طموحه كان أكبر من مجرد الوظيفة والإقامة وادخار بعض المال .. فهو لم ينس للحظة حلمه بالعمل في مجال المحاسبة، ولذلك التحق بمكتب في مدينة "برن" متخصص بالنظر في شهادة كل شخص مغترب وتأهيله للعمل في سويسرا.

البداية

يمكن اختصار 5 سنوات في سطور بسيطة.. هاني ظل لسنوات يدرس اللغة الألمانية، كان يسهر يوميًا للفجر يذاكر حتي نجح في ترجمة قاموس للكلمات المهمة التي لا يمكن الاستغناء عنها في سويسرا شمل أكثر من 1000 كلمة، بينما في النهار كان يومه مقسماً.. صباحاً يعمل في المطعم وكانت مهمته تنظيف الخضراوات.. وبعد ذلك يذهب إلي مدرسة متخصصة لتعلم أصول وقواعد المحاسبة ظل بها لمدة 3 سنوات، لكن بين هذه السطور معاناة ولحظات يأس ومعاناة اجتازها بتصميمه علي النجاح، يقول هاني: إن الطباخ السويسري الذي كان يعمل معه في المطعم اعتاد إحباطه بأنه لن يستطيع أبدا أن يعمل محاسبا، فهناك مُحاسبون سويسريون كثيرون ولا يجدون فرصة عمل في مجال تخصصهم، لكنه رفع راية التحدي.. بل والتحق أيضاً بمدرسة لتعلم اللغة الألمانية لكي يطور من قدراته بشكل يؤهله للحياة كأي مواطن هناك، ومع نهاية السنة الخامسة له في سويسرا أصبح يتحدث الألمانية بشكل جيد وتخرج في مدرسة المحاسبة.. وأرسل نحو 1000 طلب للعمل في شركات محاسبة في كل أنحاء سويسرا.. وظل ينتظر بلا يأس، وفي عام 2007 أرسل له مدير إحدى الشركات يدعوه للحضور للاختبار.

الحلم

أخيرًا حصل هاني على فرصة عمل محاسب في شركة، وحسب القانون السويسري فإن مكتب التوظيف يسمح لأي شخص درس تخصصا معينا ولكن تنقصه الخبرة بأن يعمل في شركة ويحصل منها على ربع الراتب فيما يتكفل المكتب بدفع ثلاثة أرباع الراتب المتبقية حتى انتهاء فترة التدريب، إلا أنهم كانوا يتهربون منه.. وفي نهاية فترة التدريب قالوا له:"أهل البلد لهم الأولوية في التوظيف"، ورغم ذلك وافق علي أن يعمل بربع الراتب.. وفي الوقت نفسه التحق بمدرسة أخري لتأهيل نفسه للعمل كمحاسب في شركة كبيرة، أو كمدير في شركة صغيرة، وبعد عامين تحقق حلمه بالعمل في أكبر شركة للمحاسبة في سويسرا، كما أنه يعمل محاسبا حـرا لصالح مجموعة من الشركات، كما أنه يقوم منذ عامين بتدريب مُحاسبين ناشئين.

شريكة الكفاح

هاني تزوج فتاة سويسرية كانت تعمل سكرتيرة لدى طبيبة، كان ارتباطه بها بسبب حبه لها وإعجابه بكفاحها، فهو لم يكن يبحث عن مال لأن ظروفها المادية كانت صعبة مثله.. كما أنه وقتها كان حصل علي إقامة وفرصة عمل ولو بسيطة، ولكنها كانت أكبر داعم له وشجعته، خصوصًا عندما كان يدرس ويعمل في شركات المحاسبة بلا مقابل، بل وحرمت نفسها من الإنجاب لمدة 5 أعوام حتي تتحسن ظروفه المادية ويستطيع الإنفاق علي أطفال، وبعد رحلة كفاح استمرت 15 عامًا هاني حالياً مسئول عن محاسبة شركات قطاع خاص من الألف إلى الياء فيما يخص الضرائب والتقفيل السنوي والرواتب وغيرها.

نصيحة

هاني ينصح كل شاب يرغب في السفر إلى سويسرا بأن يسأل نفسه أولاً: ماذا يريد؟! فأغلب الذين يعرفهم هناك يعملون في أعمال عادية بالمطاعم والمصانع أو سائقين لسيارات تاكسي، وعليهم أيضًا أن يضعوا لأنفسهم أهدافًا، وأن يُكافحوا من أجل تحقيقها، فمسئولة بمكتب التوظيف قالت له في إحدى المرات: "أنت لن تشتغل أبدا في مكتب محاسبة، ويكفي أنك مقيم هنا بسويسرا"، لكنه اجتهد وصبر حتى بلغ هدفه، كما ينصح الشباب أن يجيدوا توظيف شبكة الإنترنت للتعرف على سويسرا والبحث عن فرص العمل والدراسة المناسبة لهم، والأهم هو إتقان اللغة لكي يندمج في المجتمع، والمعادلة في سويسرا هي باختصار "من أجل أن تكبر أو تُحسّن دخلك، يجب عليك أن تدرس إلى جانب ممارسة عملك، وأن تطور نفسك، وأن تكتسب خبرات إضافية".

هنا سويسرا

سويسرا يسكنها 8 ملايين نسمة منهم 2 مليون أجنبي قدموا من 193 بلدا .. فهي أكثر بلد متنوع الثقافات في العالم، لكن هاني يؤكد أن نظرة السويسري للأجنبي تختلف من مكان لآخر، فالمواطنون في المدن منفتحون أكثر عن سكان القرى الزراعية لأنهم أكثر محافظة على التقاليد، وهؤلاء كونك أجنبياً تعني عندهم أنك لست ذكيًا أو مثقفًا حتي تثبت العكس، خاصة أن أغلبية الأجانب في سويسرا يشتغلون في وظائف يرفض السويسريون العمل بها مثل البناء والمطاعم، والكل هنا ملتزم لأنه لا مجال للمزح مع الشغل، والمواطن السويسري متفتح ومنضبط وجاد جدًا وكل شيء لديه يرتبط بمواعيد، لكنه ليس اجتماعيًا ولا مرنًا ولديه إهمال في المسائل المتعلقة بالحياة الاجتماعية تصل إلى درجة الروتين والبرود، ونظام التعليم متقدم جدًا ولا تزيد كثافة الفصل عن 15 طفلاً، أما المدرس فيجتمع بأولياء الأمور بداية كل عام دراسي ليناقش معهم ماذا سيشرح وأسلوب التدريس  والأهداف المقررة لهذا العام، في محاولة لخلق الانسجام والتواصل مع الآباء والأمهات.

مصريون فى سويسرا

هاني صبح ليس المصري الوحيد الذي بدأ مشوار نجاحه من سويسرا، فهناك مصريون كثيرون مثله، منهم الدكتور صبري علي الذي يعيش هناك منذ سنوات طويلة عقب حصوله علي بكالوريوس الطب جامعة القاهرة وأصبح حالياً واحداً من أبرع المتخصصين في الباثولوجي والموجات الصوتية وتشخيص الأورام السرطانية علي مستوي العالم، وأيضاً إيهاب عامر الذي حصل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة قسم يوناني ولاتيني وكان يحلم بالعيش في أوروبا سواء للدراسة أو للبحث عن فرصة عمل، وكان أقصى ما يتمناه أن يقضي شهرًا في سويسرا للفسحة فقط .. ولكنه ظل هناك منذ عام 2002 وحتي الآن  تماماً مثل هاني صبح ، لكن إيهاب عمل في البداية كموظف بقسم الاستقبال بأحد الفنادق، ثم ترقى إلى مساعد مدير  بقسم استقبال المؤتمرات وحاليًا، يعمل مديرًا لقسم الاستقبال بمنتجع سياحي شهير في زيورخ، وهناك كذلك محمد خليل الجمال الذي تخرج من المعهد الفنى الصناعى للبصريات ثم سافر إلى سويسرا عام 2003 للبحث عن فرصة عمل مناسبة في مجال تخصصه كفني بصريات .. ولكنه بعد 13 عاما من الكفاح أصبح واحدًا من أشهر الطهاة في سويسرا وصاحب مطعم كبير،  أيضاً هناك كتيبة من لاعبي كرة القدم المصريين انطلقوا من هناك وكان أولهم هاني رمزي الذي بدأ رحلته الاحترافية من نيوشاتل السويسري ثم التوأم حسام وإبراهيم حسن وتلاهم أحمد كشري وطارق مصطفي وعصام الحضري ووصولاً إلي النجمين محمد صلاح ومحمد النني وبعدهما محمود كهربا وأحمد حمودي وعمر جابر.

 

الاكثر قراءة