رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

الحياة بلا دور موت مؤقت.. "محلب" نموذجًا

4 يوليو 2018
د.ايهاب أحمد

الـقـدوة لـهـا مـفعـول السحـر فى الـتـأثـيـرعـلى الـبـشـر عـمــومـاً والـشـبـاب مـنـهـم عـلى وجـه الخصـوص , فـغـالـبـنـا  نـعـم يـنـمــق حـديـثـه ويجـمـل كـلامـه ويـتغـنى بــوطـنـيـتـه ويـرفـع شـعـارات بعـيـنهـا لـعــنـان الـسـمـاء لـكـننا بالـنهـايـة نـذهــب دون أن يـبـقـى مـنـا حـتـى أثـراً بـعــد عـيـن.


سراب الـواهـميـن
فــبــدون الــرؤيــا الـمـسـتـنـيــرة والــنــوايـا الــصـادقـــة والـعــمــل الـجـاد الـمـخـلـص لــن يـسـتـطـيـع أحــد مـهـمـا كـان أن يــؤثـر بـحـق فى الآخـريـن، فــواهــم مــن يـتـصـور أن الألــوان الــزاهــيــة أو الأضــواء الـخـادعـــة أو الأصـوات الـزاعـقـة أوالـدعـايـة أو الإعـلام يـمـكـن أن تصنع شـعـبـيـة أو تـضـفـى زعـامـة أو مـكـانـة.

فـمـصـر ظـلـت لـسـنـوات مـفـتـقـدة للـقـدوة بـمـعـناهـا الإيـجـابـي، بـحـثـت عــنـهــا، ونـاجـاهـا عـلـمـاء الـنــفــس والاجـتـمـاع سـعـيـاً وراء تـأثـيـرهـا المـشـهـود، فـالـكـل مُـجـمـع عـلى أن وجــودهـا كـفـيـل بـإنـارة مـصابـيـح عـلـى الـطــريــق.

صـحــيــح أنـهـا لــم تَـعــدم أبـداً مـثـل هــؤلاء، وإن كـان جـفـاف أصــاب سـاحـتـهـا لـسـنـوات عـديـدة مـضـت خـاصـة عـلـى الـصـعـيـد الـسـيـاســى، فبمجالات أخـرى كان هـنـاك مـجـدى يـعـقـوب وأحـمـد زويـل ومصطفى الـسـيـد ومـحـمـد غـنـيـم وربـمـا آخــريـن أيـضـاً.

سـيـاسـى مـخـتـلـف
لـكـن بـالـسـيـاسـة بـكـل مـا فـيـهـا مـن خـداع وصراع لـم نـلمـح إلا الـقـلـيـل وعـلـى اسـتـحـيـاء، حـتـى جـاء المـهـنـدس إبـراهـيـم محـلـب الذى استطاع أن يـصـنـع لـنـفــسـه رقـم يـصعـب تـجـاهـلـه بـقـلـوب عــوام الـمـصـريـيـن قـبـل الـخـواص والــنــخــب.

فالـرجـل بات بـشـخـصه حـالـة مـتـجـاوزة لـحـدود الـمـنـاصب والـكـراسـى الـرسـمـيـة، وهــكــذا هــى الـقــدوة دائـمـاً، فـقـيـمـة مـحـلـب لـيـسـت فـقـط فــى كــونــه أنــقــذ الـمـقـاولــيـن الـعـرب مـــن عــثــرتـهـا و أعــاد فــتــح الأســـواق الـعــربـيـة والأفــريـقـيـة أمـامـهـا أو بـأنـه كـان وزيــراً ناجـحـاً لـلإسـكان أو رئـيـس وزراء ديـنـامـيـكـى ومـؤثـر بـمـرحـلـة صـعـبـة.

وإنـمـا أيـضـاً فـى أنـه عـــوضــنــا عـــن غــيــاب الــوزيــرالــســيــاســـى وأعـاد مـنحـنـا إيـاه لــكــن بـشـكـل مـخـتـلــف، فـالــتـحـامــه بالجـمـاهـيـر وقـدرتـه عـلـى الـتـأثـيـر بوجـدانهـم واسـتجـابـتهــم لــه مـكـنـه مـن تــقــديــم نـمـوذج لـمـا يـمـكـن تـسـمـيـتـه بـالـوزيـر أو رئـيـس الــوزراء الـشـعـبـى.

الإدارة بالإنسانية
بـالـطـبـع لـم يـأت هـذا مـن فـراغ، فـالـرجـل مـن مـدرسـة الـمـعـلـم عثمان أحـمـد عــثمان حـيـث الإعــلاء مـن قـيــمــة الإنــســان، ورؤيـــة الـنـجـاح الـحـقـيـقـى فـى الاقـتـراب مـنـه ومعايـشـتـه ورعـايـة رغـبـاتـه والاهـتـمـام بـتـطـلـعـاتــه دون إهـمـال لـتـنمـيـتـه وتــربـيـتـه وتـدريـبـه تـرقـبـاً للـحـظـة يــســتــحــق فــيــهــا الــفــرصـة.


وإلا بـمـاذا نــفــســر مـا صـنـعـه مـع أيـقـونــة عـصـرنا الـكـرويـة مـحـمـد صـلاح، فـأى نـظـرة إداريـة إبـداعــيــة تـلك الـتـى دعــتــه لـتعـلـيـم شـبـل صـاعـد بـنـاشـيـئ الـمقـاولـيـن الـعـرب حـيـنـهـا الإنـجـلـيـزية ليكون جاهزاً للإحـتـراف الأوربـى حـيـنـمـا يـنـاديــه.

إنـهـا الـــرؤيـــة والـخـبـرة والــرغــبـة فـى فـعـل الـخـيـر، نـعــم الـخـيـر، فـمـحلـب لـم يـكـن مـن هـؤلاء الـسـاسـة الـذيـن يـحـركـهـم مـبـدأ مـيكافـيلى قـمـئ يـؤكـد عـلـى أنـه لـيـس مـن الـمـهـم أن تـكـون خـيـراً فـى الـحـقـيقـة وإنـمـا الأهـم أن تـبـدو خـيـراً.

كـسـر الـمـألـوف
الـمـدهـش بـسـيـرة مـحـلـب أنـه بـعـدمــا غــادر كــرسـى رئـاسـة الــوزراء حـول مـنـصـب مـسـاعـد رئـيـس الـجـمـهـوريـة الـذى ألـفـنـاه دومـاً شـرفـياً لـمـوقع حـقـيـقـى ومـؤثـر، فـفـعـل مـا فـعـل بمـلـف استـرداد أراضى الدولة الـمـنهـوبـة مـن قـبـل أصـحـاب الـمـصـالـح وأهـل الـفـسـاد.


ثـم كـانـت جـولـتـه بـبغـداد والـمـوصل بـعـد أن حـررت لـتـوها مـن داعـش لـمـحـاولـة تـمـكـيـن مـصــر مــن وضــع قـــدم لـهـا بـمـشـروعــات إعــادة تـعـمـيـر الـعــراق، ومـشـاركــتــه بـالــمــؤتـمــر الــدولـى الــذى شـهـدتــه الـعـاصـمـة الـفـرنـسـيـة لـوضع تـسـويـة للأوضاع اللـيـبـيـة الـمـتـرديـة.


ولـقـاءه بـسـعـد الـحـريـرى عـلـى هـامـش مـؤتـمـر بـاريـس لـدعم الاقتصاد اللـبـنـانـى لـحـثـه عـلى الاسـتـعـانـة بـالـخـبـرات الـمـصـرية فـى عـمـلـيـات الـتـنـميـة الـلـبـنانـيـة الـمــزمـعـة بـعـد أن خـصـص لـهـا قــروض وهــبـات بـمـا يتـجـاوز قـيـمـتـه الـ11 مـلـيـون دولار.


وجــولاتـه الـتـى لــم تـتـوقــف بـأفــريـقـيـا فـى مـحـاولـة لـتـرمـيـم جـسـور تـهـاوت بـعـد رحـيـل زمــن جـمـال عــبــد الـنـاصــر بـرؤيــتــه الــواعـيـة لـمـعـنـى الأمـن الـقـومـى الـمصـرى مـسـتـنـداً عـلى صـلات كـان قـد بـناها أيـام عـمـلـه بالـمـقـاولـون الـعــرب.


ثـم زيـارتـه الــفــريــدة قـبـل أقــل مـن شــهــر مـن إعـفـائـه مـن مـوقـعـه بالـرئـاسـة لـشـمـال سـيـنـاء، ولــقــاءه بـأهــالــى الــشــيــخ زويـــد ورفــح وتـجـولـه بـأسـواقـهـم ودروبـهـم لـطـمـأنـتـهـم وبـحـث مـشـاكـلهـم، ضـارباً بـكـل قـواعـد الأمـن ومـحـاذيـره عـرض الـحـائـط.


وإلا.. صمت هاملت
فـالـرجـل لـم يـكـن يـحـركـه الـمـنصــب أو الــكــرسـى، وإنـمـا الـرغـبــة فـى تـقـديـم عـمـل مـخـلـص لـوطـن يـشـعـر مـن داخـلـه أنه يستحـق بالفعل الأفـضـل، ومـــن هـنـا جــعــل مـــن نـفـسـه مـن حـيـث لا يـقـصـد الــقــدوة الـتى طـالـمـا تـمنـيـناهـا وبـحـثـنـا طـويـلاً عـنهـا.


قــدوة غــنــيـة بـالـقــيــم والـمـعـانـى تـصـلـح  (إن أردنـا ) لأن نـســوقـهـا لعـقـول وقـلوب الـشـبـاب بزمـن كـثـر فـيـه الـراقـصـيـن وقـارعـى طـبــول الـهـطـل، لـذا سـيـظـل بـإمـكـانـه بـعـيـداً عـن كـل الـرسـمـيـات الـمـسـاهـمة فـى إنـارة الـطــريــق، فـالـحـيــاة بـلا دور مـــوت مـــؤقـت كـمـا حــكــت الـحـكـمـة الـصـيـنـيـة.


فـالآن نـنـتـظـرعــلـى الأقــل كـلـمـتـه عـن تـجـربــتــه الـعــريـضــة بـكــل مـاحـمـلـت مـن خـبـرات سـلـبـيـة وايـجـابـيـة، لـكـنـنـا لا نـريـدهــا بـيـضـاء بـلـون الـثـلـج، نـتـمـنـاها طـازجـة، سـاخـنـة، تـشـتـبـك، تَـدفـع وتُـدافـع.


فـالـمـذكـرات الـشـخـصـيـة الـمـمـلـؤة بـالـعـبـارات الـضـبـابــيــة والألـــوان الـرماديـة والـمـواقـف الـحـيـاديـة والـمـجامـلات الـشـاحـبــة، غالباً ما يكون الـصـمـت عـنـهـا أفـضـل، وعـنـدهـا يـكـون سـكـوت هـامـلــت أو مـحـلـب بـحــد ذاتــه مـلـئ بـالأحـداث على وزن ما عـبـر شـكـسـبـيـر.

الاكثر قراءة