رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

الضياع في متاهة الأصدقاء

6 يوليو 2018
محمد صلاح أحمد

لم يصدق ما حدث لابنه الشاب وظل عقله رافضا حقيقة أنه لن يراه مرة أخرى وحين أدرك أنه مات انهار، وظل بالمستشفى فترة غير قليلة حتى تقبل فكرة موت الابن، وبمساعدة ابنته وتقربه إلى الله بدأ فى التعافى، وعاد إلى بيته حيث لم يتبق من الأسرة بعد موت زوجته سواه وابنته.


عاد إلى مواصلة عمله بإحدى الشركات وانتظمت ابنته في دراستها بالسنة النهائية بكلية الصيدلة، ولم يمض يوم لا تمر فيه على ذاكرة الرجل مشاهد من حياة ابنه، وأصبحت حياة الرجل رتيبة فكان يذهب إلى العمل وبعد عودته يساعد مع ابنته فى إعداد الطعام، ثم يأخذ قسطا من الراحة، وفى المساء يتابع الأخبار عبر شاشات القنوات ثم يختلى بنفسه لقراءة القرآن والتعبد والدعاء لابنه وزوجته وأهله بالرحمة، وفي نهاية الأسبوع كان يزور أخته الوحيدة أو أقاربه مصطحبا ابنته فى معظم المرات.


وفكر أن يفيد غيره من التجربة القاسية التى مر بها مع ابنه حتى توفى قبل سن الثلاثين، وبدأ فى البحث عن أكبر مراكز علاج الإدمان وذهب إليها وعرض على مديريها أن يساعدهم فى جلسات العلاج النفسى للمتعافين من الإدمان عن طريق رواية حكايته مع ابنه المدمن الذي كان يعود إلى الإدمان بسبب أصدقائه حتى وافته المنية بجرعة مخدرات زائدة.


ووافق كل مديرى المراكز على الفكرة، وبدأ الرجل فى حضور جلسات العلاج النفسى للمدمنين بعد تعافيهم حتى يعتاد طريقة الجلسات ويصبح جزءا من علاجهم بعد ذلك بتوجيه من الأطباء المعالجين، وعندما جاء دوره جلس وسط مجموعة من المتعافين وظل عدة دقائق غير قادر على التحدث ونزلت الدموع متسارعة من عينيه لكن إشارة من الطبيب الذى حضر الجلسة جعلته يتماسك ويبدأ في الحديث.


وقال الرجل: أعرف أنكم وقعتم فى الإدمان من طرق مختلفة لكنكم جميعا سلكتم طريقا واحدا للخروج منه وهو العلاج الطبى والنفسى، لكن الأهم والأخطر كما تعرفون هو عدم العودة مرة أخرى، وأسرع طريق للعودة إلى الإدمان مرة أخرى هو أصدقاء السوء، وأنا هنا لأحكى تجربة لصيقة بى شاهدت فيها كل مراحل الإدمان فقد أدمن ابنى وتم علاجه مرات عديدة لكنه كان يعود بعد تعافيه فى كل مرة بسبب أصدقائه إلى أن توفى.


عندما رزقت بابنى كان البكرى وكان ذكيا وحسن المظهر وذا خلق وقد بذلت مع أمه جهدا كبيرا فى تربيته، وكان مصدر فخر لنا ولم نعان من مشكلات فى مراحل حياته حتى وصل إلى المرحلة الثانوية وبدأ يشعر برجولته، وبدأت المشكلات تتوالى نتيجة اعتداده برأيه واندفاعه فى اختياراته وعدم السماح لنا بإجراء حوارات متصلة معه

وكنت أرى أن ذلك طبيعة سنه، لكن المشكلات بدأت فى التزايد بسبب ثلاثة أصدقاء مقربين له أحدهما كان فقيرا والآخر من عائلة ثرية جدا والثالث يعانى قدرا كبيرا من العُقد النفسية، وقد تعرف عليهم فى المرحلة الثانوية، وبعد أن توطدت علاقته بهم زادت المشكلات، فكان تابعا لهم يخرج معهم بأمرهم ويذهبون إلى المكان الذى يريدونه ويرجع إلى المنزل فى الوقت الذى يحددونه حتى محوا شخصيته بالرغم أنه لم يكن كذلك معنا.


وبعد معرفتى بأصدقائه بدأت فى توجيهه بطريقة غير مباشرة لكنه لم يستجب ووصلت الأمور إلى كذبه علىّ فيما يخصهم، وقمت بتشديد الرقابة عليه لمعرفة أين يذهبون وكان رده أنهم ذاهبون إلى النادى أو للجلوس على مقهى للعب الدومينو والشطرنج، حتى اكتشفت أنه بدأ فى التدخين، ولم أواجهه حتى لا أقطع الخيط الرفيع من الحوار الدائر بيننا، لكنى كنت ألفت نظره إلى خطورة التدخين على هامش بعض حواراتنا.


ولاحظت عدم مواظبته على الصلاة وعدم ذهابه إلى المدرسة فى بعض الأيام لرجوعه متأخرا فى الليلة السابقة وعندما كنت أسأله كان يجيب أنه قضى الليل فى المذاكرة عند صديق له فاقترحت عليه أن يقسم المذاكرة مرة عنده ومرة عند صديقه واستجاب فى البداية لكنه تملص بعد ذلك.


وكانت الكارثة عندما رسب فى معظم المواد الدراسية، وعنفته وطلبت منه مقاطعة أصدقائه الثلاثة لظنى أنهم سبب رسوبه، وأوهمنى أنه قاطعهم وفى العام التالى نجح فى الثانوية العامة والتحق بكلية التجارة لكنه لم يقطع علاقته بأصدقائه، وواجهته بذلك فقال لى إن رسوبه كان نتيجة تقصيره وليس بسببهم.


وخلال الجامعة كانت أحواله تسوء وتخرج بعد ست سنوات وكان الجميع يلاحظ تغير حاله، وفى يوم ذهبت به إلى المستشفى زاعما إجراء بعض التحاليل لى، وكنت قد اتفقت مع عدد من الأطباء لإجراء تحاليل له، ورفض فى البداية لكنه رضخ وكانت الفاجعة أنه مدمن أقراص مخدرة وهيروين، وخضع للعلاج وتعافى والتحق بعمل مناسب لكن أصدقائه لم يتركوه فعاد مرة أخرى إلى الإدمان وقمت بعلاجه، وتكرر ذلك وأحسست أنى فى دائرة مفرغة فجالت فكرة بخاطرى أن أبحث له عن عمل بإحدى الدول العربية، وبعد سعى وفقنى الله فى الحصول على فرصة عمل ممتازة له وسافر بمرتب مجز وكان الإقامة على حساب الشركة وكذلك المواصلات من السكن إلى العمل.


وشعرت بالاطمئنان عليه وكانت الاتصالات لا تنقطع إلى أن تباعدت بعد ذلك، وفى الإجازة الصيفية عاد إلى مصر وكنت أنتظره فى المطار وبمجرد رؤيته ساءنى حاله، وعرفت منه أن أحد أصدقائه الثلاثة سافر إليه بعد أن وجد فرصة عمل بنفس المدينة التى يعمل بها، وأخبرنى أنه عاد إلى الإدمان مرة أخرى وتم طرده من العمل بسبب مشاجرة بينه وبين صديقه فى محل إقامته على مال لشراء تذاكر هيروين أدت إلى تكسير فى مقر الإقامة.


ولم يصمد ابنى فى عمل أكثر من أشهر قليلة وحاولت بكل السبل أن أنتشله من براثن الإدمان لكن أصدقاء السوء حالوا دون ذلك، وفى النهاية وافته المنية إثر جرعة زائدة من المخدرات.
وبالرغم من أن الرجل فقد ابنه لكنه لم يفقد ضميره وواصل التردد على مراكز علاج الإدمان ليحاول إنقاذ الشباب من الضياع.

الاكثر قراءة