رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

تكره لقب أول طبيبة أسنان صماء..د.إسراء البابلي:المجتمع لايتعامل مع الإعاقة بشكل مقبول

13 يوليو 2018
محمد فتحي حرب

تكريم الرئيس السيسي جعلني أشعر بالنجومية بعد سنوات طويلة من عدم التقدير والتجاهل

حققت خطوات ناجحة بالإيمان والرضا بقضاء الله
* المجتمع لا يتعامل مع الإعاقة بشكل مقبول.. ولم أحصل على حقي
* لا أجد صعوبة في التواصل مع المرضى.. والمريض يحتاج إلى طبيب مخلص
* عانيت لاستكمال دراستي.. وكافحت لأثبت أنني قادرة على أداء كل شيء

افتقاد أي حاسة من الحواس لا يعني الفشل في الحياة.. بل يعني التحدي والمزيد من الخطوات الإيجابية والناجحة.. هذا ما أكدته تجربة د.إسراء البابلي.. والتي فاجأت الجميع برغبتها في الالتحاق بكلية الطب بالرغم من أنها صماء.. واعتبروا الأمر تطرفا في الأحلام، ولكنها أصرت على حلمها.. لتصبح أول طبيبة أسنان صماء.. بالرغم من المعاناة التي وجدتها مع التعليم.. ولم يقف حدود طموحاتها عند ذلك.. واختارتها الأمم المتحدة كأول متحدثة فاقدة لحاسة السمع.. وتم تكريمها من الرئيس عبد الفتاح السيسي.. مشوار ناجح مليء بمحطات الإصرار والتحدي والمعاناة تروي تفاصيله د.إسراء في الحوار التالي..


* في البداية حدثينا عن تفاصيل مشكلتك ومشوارك مع العلاج؟
في طفولتي أجريت فحوصات أثبتت أن هناك صمما عميقا بكلتا الأذنين، ويجب أن أستخدم معينا سمعيا، ولكن عملية زراعة القوقعة لم تكن معروفة في مصر، وكانت تجرى لكبار السن ممن فقدوا سمعهم بعد اكتساب اللغة، ولذلك سافرت عائلتي إلى إنجلترا، ولكن بدون جدوى، وكان الحل هو التأهيل والتخاطب، وكان عدد الأطباء قليلا في هذا المجال، وفضل والداي الطريق الصعب، ومحاولة تقييم اللغة كوسيلة للتواصل، واعتبروه هو الاختيار الأوحد، وكان العمل على صقلي أولا، بأن أعتمد على نفسي ولا أخجل من وجود معين سمعي في أذني، وكنت أتابع مع طبيب تخاطب، ولكن النتيجة كانت محدودة في اللغة، وممتازة في قراءة الشفاه.

* وهل واجهت صعوبات في التعليم؟
بالطبع، وأولها الالتحاق بالمدرسة، فقد كانت أسرتي تقدم أوراقي للالتحاق بالمدارس الخاصة والعادية وأجري الامتحان وأنجح، ولكن يتم رفضي بعبارة:"لا نقبل هذه النوعية من الأطفال"، لأنه لم يكن هناك وقتها نص دستوري يتيح الدمج، إلى أن التحقت بمدرسة خاصة بمدينة نصر، بصف baby class، ولكني غادرتها بعد ذلك بعد الشكوى من وجودي، إلى أن جاء عرض عمل لوالدي بالبحرين، وهناك التحقت بإحدى المدارس الحكومية العادية مثل أي طفل عادي، وعلى مستوى الدراسة لم أواجه أي صعوبات، لأنني أحببت المدرسة، واحتضنتني نخبة من المعلمات لهن سمات إنسانية راقية، والزميلات كن أخوات لي، فلم أشعر بأني مختلفة، وأنشأت وزارة التربية والتعليم بالبحرين وحدة خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة بالمدارس، وتقديم الدعم لهم، ولكن في الصف الأول الثانوي فقدت السمع في الأذن اليسرى، وكان الحل هو زراعة القوقعة، وللأسف مرت سنوات ولم أتمكن من الاعتماد على جهاز القوقعة، فقط من عام وجدت حلا لأتمكن من احتمال وجود الجهاز، بدون الاستفادة منه في تفسير الكلام، فمازلت اعتمد على قراءة الشفاه.

* وكيف التحقت بكلية الطب؟
بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة بمجموع 94.6% أعلنت عن رغبتي في الالتحاق بكلية طب الأسنان، بالرغم من أن أسرتي كانت تفكر في دراسة الرياضيات لأني كنت متفوقة فيها أو دراسة الجرافيك، وعندما أعلنت عن رغبتي اعتبر الجميع أن ذلك مجرد تطرف في الأحلام، وتجاهلوا رغبتي، ولكني أكدت لهم أنني أستطيع أن أدرس طب الأسنان وأني سأكون بارعة في هذا المجال، ولم يكن هناك كلية لطب الفم والأسنان بالبحرين، فعدنا إلى مصر، وقدمت أوراقي بجامعة المستقبل، ونجحت بامتحانات القبول، وعند الفحص الطبي تعاطف الطبيب معي، ولكنه أعلن أن قرار القبول مرهون بموافقة رئيس الجامعة، وأقنعته وحصلت على موافقته، وشعرت وقتها بأنها مسئولية لكي أبرهن وأثبت أني قادرة وأستحق الثقة.

* وما هي الصعوبات التي واجهتك بشكل عام؟
الصعوبات لم تكن أبدا في الدراسة، ولكن الصعوبة يضعها البشر، الصعوبة أن تجد نفسك دائما الأقل والأدنى إلى أن تثبت العكس، أن تكون مضطرا دائما أن تكافح لتثبت أنك إنسان قادر على أداء كل شيء، فقد قضيت بالجامعة أسوأ سنوات عمري، بسبب التجاهل الذي وجدته من الطلاب، لدرجة أنه لا أحد حتى يلقي التحية، إلا من رحم ربي، بجانب معاناة من إحساسي بأنني أتسول العلم، واكتشفت جانبا آخر بشعا من البشر، فهناك من كان لا يتقبل أن من حقي أن أكون طبيبة ويضع العقبات في طريقي، ولكني كنت أجد أيضا من يقف بجانبي.

* وكيف مارست مهنة الطب؟
افتتحت عيادتي الخاصة بمدينة الشروق منذ أكثر من عام، وبفضل الله منذ اليوم الأول وهي تعمل بشكل ممتاز، ولم أجد أي صعوبة في التواصل مع المرضى، فالمريض يحتاج إلى طبيب مخلص وعندما يجد هذا لا يشغله أي شيء آخر.

* وهل تتضايقين من لقب أول طبيبة صماء؟
فعلا أصاب بالضيق من لقب أول طبيبة أسنان صماء، ليس إنكارا بأنني فاقدة حاسة السمع منذ الولادة، ولكن رفضا لتصنيف البشر، فأنا أؤمن بالتنوع البشري وبحكمة الخالق في كون البشر مختلفين، ما بين كامل الحواس وفاقد لإحداها، وما بين الأبيض والأسود والطويل والقصير، فالخالق قادر على أن يخلق كل البشر دون اختلاف، إذن هناك حكمة من ذلك لتوازن الكون.

* وكيف تم اختيارك للعمل في الأمم المتحدة؟
عندما أنهيت دراستي الجامعية شعرت بأن لديّ رسالة، وهي تغيير سلوك ومفاهيم المجتمع مع فاقدي الحواس، فتلك الفئة هي نفسها بينها اختلاف، لابد أن نفهم مثلا أن فاقد السمع منذ الولادة يختلف تماما عمن فقد سمعه بعد عام أو أعوام من حياته، فالأول طبيعة صوته وتركيب اللغة يختلف عن شخص لديه ذاكرة سمعية، وهذا الفهم هو ما دفع الأمم المتحدة لاختياري كأول متحدثة فاقدة لحاسة السمع منذ الولادة، لأنهم يعرفون الفرق، ويدركون مدى الصعوبة في اكتساب اللغة لمن هم في مثل ظروفي السمعية.

* وما الذي تنوين فعله من خلال هذا الدور؟
مسئوليتي أن أقدم نفسي وأفتح الباب لمن بعدي لتكون تجاربهم أكثر نجاحا وأقل مجهودا، وخصوصا أني عانيت منذ أكثر من 25 سنة وكان هناك محدودية في التكنولوجيا والأجهزة المساعدة وعدم وجود عملية زراعة القوقعة بشكل دقيق، ومع ذلك استطعت أن أكون طبيبة أسنان، فأبناء هذه المرحلة يجب أن يكونوا أفضل، وعندما يكون وجودنا في المجتمع في أكثر من مجال واقعا يصبح تقبلنا وحقنا متاحا، هذا بجانب أني أريد تغيير سلوك ومفاهيم المجتمع مع فاقدي الحواس.

* وهل تكريم الرئيس عبد الفتاح السيسي لك عوضك بعض الشيء عما واجهته؟
شعرت بأن الله اختزل لي كل التكريم في مؤتمر الشباب، فتكريم الرئيس جعلني أشعر بأن الرحلة والتعب انتهيا، فشعور لا يوصف عندما وجدت نفسي نجما وسط لفيف رائع من الشباب بعد سنوات طويلة من عدم التقدير والتجاهل.

* وهل تشعرين بأنك حصلت على حقك في المجتمع؟
أنا مثل أي إنسان يشعر دائما أنه لا يحصل على حقه، ولكني أتمنى أن تواصل الدولة متابعة النماذج الجيدة، فجميل أن نحصل على التكريم، ولكن ماذا بعد التكريم، فلا أحد يتابع، ولا أحد يدرك أن بعد التكريم نتعرض لاضطهاد أكبر، وربما إهمال أعمق، وسلوك أعنف من التجريح، فمتابعة النجاح أهم من التصفيق الوقتي.

* هل شعرت بأن المجتمع لا يتعامل بشكل لائق مع أي إعاقة؟
بالطبع المجتمع لا يتعامل مع الإعاقة بشكل مقبول، وكأن خالق الكون جعل حق الحياة للصفوة التي وهبت كل الحواس، في حين أننا لو تأملنا لوجدنا أننا جميعا معاقين، وليس هناك شخص كامل، أو بالأصح كل إنسان كامل الحواس معرض بنسبة ما في أي لحظة أن يفقد حاسته، فالشخص المعاق الحقيقي هو الشخص العاجز عن تحقيق حلمه، والمستسلم الضعيف، كما أني أرفض أن يتم توظيف فاقدي الحواس عبر قانون الـ 5 % ، بل الصواب أن تكون الفرص متاحة للجميع، والقبول بالوظيفة من عدمه قائم على الكفاءة.

* لو تحدثت عن تجربتك ونجاحك بعد كل ذلك فماذا تقولين؟
أرى أن نجاحي انتصار في معركة ضد مفاهيم المجتمع، وهذه المفاهيم تجعل أسهل شيء عند البعض أن يصدروا عليك حكما من قبل أن تحصل على فرصة للدعم والمساعدة.

* وكيف امتلكت الإصرار على تحقيق كل ما وصلت إليه؟
دائما أكون قادرة على تحقيق أحلامي وأهدافي، مهما كانت المعوقات التي من صنع البشر، ودائما لديّ يقين أن الله معي، ولديّ دائما إيمان ورضا بقضاء الله، ولا أحد يمتلك الإرادة القوية والتحدي إلا بعد المرور بالعديد من التجارب والتحديات، كما أني ورثت ذلك من أمي التي لا تعرف الفشل.

* وما هو هدفك الآن؟
هدفي الأكبر أن يكون وجود أي شخص فاقد لحاسة من حواسه في أي مكان سواء فى مدرسة أو عمل أو أي كيان أمر عادي وطبيعي، وأن هذا ليس منحة من أحد، ولكنه حق طبيعي، فالخالق له حكمة من وجود تنوع بشري، وهو اسمه العادل، بمعنى أن كل إنسان خلقه من البداية أعطى له حقه الذي يستحقه بكل عدل.

 

الاكثر قراءة