رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

الكل "يفتي" ويتحدثون عن كل شيء.. سؤال صعب: ممكن تقول "ماعرفش"؟

8 يوليو 2018
ميادة حافظ

الشباب: لا تخلو جلساتنا من الحديث فى كل المجالات بعلم أو بجهل

نقص المعلومات يساهم فى انتشار ظاهرة "الفتى"  التي أصبحت جزءاً من ثقافة الشعب المصري
 د.وليد هندي: مدعى المعرفة يقدم لنا السم فى العسل

موقف يتكرر كثيراً.. تقابل شخصاً فى الشارع فتطلب منه أن يصف لك عنواناً ما فيسرح قليلاً ثم يبدأ في وصف الطريق لك بكل ثقة وكأنه عالم جغرافيا، ثم تفاجئ بعدها بأنه "أفتى" لك بوصفة خاطئة تماما، لكن الآن وبعد سنوات من انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وصل "فتى المصريين" إلى مراحل أكثر تطورا فلم يسلم جانب من جوانب حياتنا اليومية من التأليف والادعاء فى السياسة أو الاقتصاد أو الصحة أو الدين وغيرها وانتشرت آراء مدعى المعرفة  بشكل جعلهم في نظر البعض مصدراً للعلم.


فى البداية سألنا الجمهور عن آرائه فى "ثقافة الفتى" عند المصريين، يقول عماد وسيم "33 سنة صيدلى": بما أننى أعمل فى مجال الصيدلة فأكثر ما يلفت انتباهي هو فتى الكثير فى تناول الأدوية، فنحن لدينا ثقافة غاية فى الخطورة وهى الحصول على الدواء بدون روشتة طبيب، فتجد شخصاً يشكو من ألم ما وأول ما ينصحه به من حوله هو "خذ لك مسكن وهتبقى زى الفل" أو "خد دواء كذا مريح جدا" ويبدأ هذا الشخص فى تناول الدواء من نفسه بدون استشارة طبيب مما قد يعرض حياته للخطر أو قد يؤدى إلى أزمة أكبر لا قدر الله بسبب فتى المحيطين به، و نحن للأسف لا ندرك مدى خطورة هذا الأمر على الإطلاق.


ويشاركه فى الرأى محمود حمدى "26 سنة" مهندس ميكانيكا، وهو يرى أن جميعنا يتصف بالفتى لكن بدرجات، بمعنى أننا كشعب ندمن الفتى فهو يجرى فى عروقنا مثله مثل الشهامة والجدعنة وغير ذلك من صفات المصريين، ويضيف: أن مواقع التواصل الاجتماعي أفضل مثال لفتى المصريين فبنظرة سريعة على حسابات الكثير من المصريين تلاحظ أن الغالبية العظمى نصبوا أنفسهم كخبراء فى كرة القدم، والسياسة والعلاقات الدولية، والبعض يهتم بالجانب الاقتصادي ويحلل ويفسر التغيرات المختلفة أو القرارات الحكومية على اعتبار أنه خبير مالي مخضرم فى حين أنه مدرس تاريخ مثلا، وهكذا هناك من ينقد فيلما او مسلسلا بكل تفاصيله وغيره تحدث فى الدين مستعينا بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية وهو لا يقوم بأبسط واجباته الدينية.


أما نور عبد المنعم "29 سنة" مدرسة فلسفة، فترى أننا نشأنا فى مجتمع يعانى ثقافة  "الرغى" والفتى هو جزء من رغى المصريين، فجلسات المصريين سواء داخل العائلية أو فى العمل أو مع الأصدقاء لا تخلو من الكلام فى كل نواحى الحياة، وغالبا ما يتحدث الجميع فى كل شىء سواء بعلم أو بدون علم فالأهم هو المشاركة بالرأي والتحليل والتفسير والتنظير أيا كان هذا الرأي صحيحا أم خاطئا.. وتضيف: مشكلتنا كشعب أننا نخجل من أن نقول "معرفش" أو "بصراحة الموضوع ده معنديش عنه معلومة كاملة" ، لأننا نعتبر هذه العبارات شيء مشين فنضطر فى البداية أن نشارك بأى رأى لنعتاد بعد ذلك الكلام دون أن نفكر فى مدى صحته أو تأثيره على الآخرين.


وعن أشهر مظاهر الفتى عند المصريين، تؤكد شيماء زين "31 سنة" باحثة بكلية التربية بجامعة عين شمس، أكثر المجالات التى يفتى فيها المصريون هى رياضة كرة القدم" فتجد قبل وبعد كل مباراة، كما هائلا من الآراء والتحليلات لأداء اللاعبين وقرارات المدرب، فتجد البعض يقول "المدرب ده مش فاهم حاجة، واللي عمله ده غلط وكان المفروض يعمل كذا وكذا أو يختار فلاناً ويترك فلاناً" وغالبا من يقول ذلك لا يعرف أى معلومات دقيقة عن أسباب تصرف المدرب واللاعبين بشكل معين.


وتوضح أمنية محمد 24 سنة "بكالوريوس تجارة"  أن مواقع التواصل الاجتماعى لها دور كبير في انتشار الفتى بشكل ملحوظ ومن أكثر مجالات الفتى عند المصريات هى  التجميل والميك أب والعناية بالبشرة، خاصة من خلال الصفحات التي تضم أعداداً كبيرة من البنات مثل "حد يعرف للبنات فقط" فتجد سؤالاً من إحدى الفتيات عن رأى الفتيات فى منتج معين سواء كان كريما أو ماركة معينة لمستحضرات التجميل أو كيفية الحصول على درجة لون معينة للشعر، لتجد بعدها رد المئات من الفتيات اللاتى اعتبرن أنفسهن خبراء تجميل  بكم من الآراء والمقترحات والنصائح التي لا تمت للواقع بأي صلة.


وتؤكد هالة إسماعيل "34 سنة" طبيبة أطفال، أن الفتى لدينا مرتبط بالمثل الشعبي القائل"اسأل مجرب ولا تسأل طبيب"، وتضيف أن المشكلات الأسرية والخلافات بين المخطوبين والمتزوجين أصبحت من أهم الموضوعات التى يكثر فيها الفتى على مواقع التواصل الاجتماعي، وتكمل: كثيرا ما أجد منشوراً لفتاة مخطوبة أو متزوجة  تحكى فيه تجربتها مع خطيبها أو تشكو من تصرفات زوجها أو تأخذ آراء الأخريات فى مشكلة ما وتنتظر رد وآراء الفتيات وبالتأكيد الغالبية العظمى يقدمن النصيحة بناء على تجاربهن الشخصية أو تجارب المحيطين بهن، فمعظمهن لسن مؤهلات لتقديم نصيحة فى تلك الأمور والجميع "يفتى" وخلاص.


ويعلق د.وليد هندى استشاري الطب النفسى والصحة النفسية قائلاً: "الفتى" أو إدعاء المعرفة يعد من الأزمات الحقيقية التى نعيشها فى المجتمع المصري الآن، وقد وجد السواد الأعظم من الناس فى صفحات التواصل الاجتماعي أرضا خصبة لطرح أفكارهم المغلوطة وإدعائهم المعرفة وهم لا يدركون أن أنصاف الحقائق لا تقل خطورة عن الجهل الكامل بها بل هى أشد وطأة من الجهل نفسه، ويعاني مدعو المعرفة نقصا حادا فى مفهومه نحو ذاته يدفعه للفتى المستمر لإشباع نظرته نحو ذاته لأنه شخص غير مكتمل النضج يعانى من مجموعة من مركبات النقص فى الشخصية كما يفتقد بعض المهارات العقلية المتقدمة مما يدفعه للسعى نحو لفت النظر بغية تحقيق مكانة لدى الآخري

و يوضح أن مدعى المعرفة دائما ما يكون شخصا محبا للظهور من أصحاب الجدل العقيم ويستخدم فى ذلك أدلة وهمية للتأكيد على أفكاره ، كما أنه دائما ما يوجه النقد واللوم إلى الشخص الذى يريد إدانته فهو دائما يعبر عن رفضه للشخص وليس للفكرة أو التصرف، كما يتسم مدعى المعرفة أو الشخص "الفتاى" بأنه سريع الغضب، وثرثار ودائم الاعتراض ومحب للسيطرة ودائما ما يتمسك بآرائه ويفتقد المرونة الذهنية

ويضيف أن هذه الشخصية لا تقف خطورتها عند بث السموم الفكرية لدى الآخرين فقط بل إنها تكون فرصة ذهبية لصانعي الشائعات التى تهدف إلى عدم الاستقرار والبلبلة والتى تعد من أخطر وسائل الحروب النفسية فى أوقات السلم قبل الحرب حيث يجد أصحاب الشائعات فيهم خير مروجين لها و خير مقدمين لتلك الخدمة دون مقابل، ويظهر هؤلاء دائما عند وجود الأزمات العابرة فى المجتمع والتى تبدو طبيعية فى سياقها العادي إلا أن مثل هؤلاء يتركون النار فى النفوس ويجعلون المجتمع ينظر إلى الأزمات بنظرة تضخمية.

فمن المعروف سلفا أن أى أزمة مجتمعية أو سياسية لها مراحل "بداية ثم خمول ثم نشاط ثم نهاية والتى غالبا ما تكون سعيدة حيث تنفرج الأزمة، مثل أزمة السكر التى حدثت لفترة لم تستمر سوى أيام معدودة إلا أن أصحاب الفتى بغير علم يعملون دائما على تصدير الطاقة السلبية وتأجيج مشاعرهم تجاه تلك الأزمات العابرة وترويجها على أنها أم الأحداث التى لا حياة بعدها.


وفى النهاية ، ينصح د.وليد  بالبعد كل البعد عن سارقي الطاقة الإيجابية ومصدري الطاقة السلبية الذين يطلون علينا بوجوههم القبيحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، فالإنسان بطبيعته كيس فطن وبالتالي يمتلك قدر من اليقظة الذهنية التى تتيح له رؤية هؤلاء وكل من يرتدى "طاقية الإخفاء" ملتحفا بعباءة العلم والمعرفة ويقدمون لنا السم فى العسل.
 

الاكثر قراءة