رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

حواديت.. صكوك الغفران .. ومفاتيح الجنة والنار

8 يوليو 2018
وليد فاروق محمد

قال أعرابى لامرأته : أنت طالق حتى "حين" ، وبعدها ندم وأراد أن يردها؛ لكنه احتار في تفسير كلمة "حين" هذه التي قالها بدون أن يقصد معني محدداً لها، فذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليسأله: متى يعود إلى زوجته؟ فلم يجده فى بيته وقتها،  فذهب إلى أبى بكر رضي الله عنه وسأله عن تفسير كلمة "حين" فقال له : حُرِّمت عليك زوجتك حتى الموت، فتركه وذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعرض عليه سؤاله، فقال له : حرمت عليك أربعين سنة، فتركه وذهب إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه ، فقال : حرمت عليك عاما كاملا

فتركه وذهب إلى على بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: حرمت عليك ليلة واحدة، فاحتار الرجل أكثر وعاد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وحكى له ما حدث، فأرسل الرسول لأصحابه ولما جاءوا سألهم : لماذا يا أبا بكر حرمت عليه زوجته حتى الموت؟  فقال: يا رسول الله من القرآن، يقول تعالى ( فمتعناهم حتى حين ) ومعنى الحين هنا حتى الموت، فسكت رسول الله ثم قال : وأنت يا عمر؟ فقال من القرآن يا رسول الله ، في أول سورة الإنسان يقول الله سبحانه وتعالى ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا )

و"حين" هنا يستدل عليها من كون آدم مكث في الجنة أربعين سنة قبل أن ينزل إلي الأرض، فسكت رسول الله، ثم قال : وأنت يا عثمان لماذا حرمت عليه زوجته عاما ؟ فقال من القرآن يا رسول الله، يقول الله تعالى ( مَثَلُ كلمةٍ طيبة كشجرة طيبة تؤتى أُكلها كل حين ) والحين هنا مقصود به أن أكثر الثمر يثمر كل عام مرة، فسكت رسول الله ثم قال : وأنت يا على؟ فقال من القرآن يا رسول الله، يقول الله تعالى ( فسبحان الله حين تمسون وسبحان الله حين تصبحون )

و"حين" هنا تعنى الليلة، وكانت هذه الرواية سبباً في قول النبي عليه الصلاة والسلام: أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم ، وقال الرسول صَلى الله عليه وسلم للأعرابي : خذ برأي علي بن أبى طالب فإنه أيسر لك، انتهت الحكاية - والتي يعتبر البعض سندها ضعيفاً - ومعها تذكرت حواراً سابقاً لي مع الدكتور الفقيه سعد الدين الهلالي قال خلاله إن كل الفتاوى الفقهية السابقة مجرد اجتهادات بشرية ويجب علي الداعية ألا يرفض أحدها أو يقبله ولكن يعرضها كلها للناس وعليهم أن يختاروا ما يرونه الأفضل، فصاحب أى رأى أو فتوى ليس إلهاً ولا وصياً علي الدين ولا يملك صكوك الغفران ومفاتيح الجنة والنار ..

وإنما رأيه منسوب له حسب فهمه هو، وليتنا ونحن نعيش موسم فتاوي رمضان ندرك هذه القاعدة، فكأن الناس يتعرفون علي أحكام الصوم والصلاة والزكاة لأول مرة بينما بعض الشيوخ يتشددون عليهم والبعض الآخر يتساهلون ، والطرفان غالباً يقدمون اجتهادهم باعتباره " حكم الدين " نفسه، ولنا في الأئمة قدوة حسنة .. فقد توقف مالك والشافعي عند مسألة واحدة ..

الإمام مالك يقول إن الرزق يأتي بلا سبب بل بمجرد التوكل الصحيح على الله  مستنداً للحديث الشريف ( لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ) أما الشافعي فقد خالفه في الرأى وكانت حجته من الحديث نفسه " لولا غدوها ورواحها ما رزقت " أي لا بد من السعي وليس مجرد التوكل، وأراد التلميذ الشافعي أن يثبت لأستاذه مالك صحة قوله ..

وبينما يفكر وجد رجلا عجوزا يحمل شوالاً من البلح فحمله عنه، ولما وصل إلى بيته أعطاه الرجل بضع تمرات مكافأة له، وهنا ثارت نفس الشافعي وقال : لولا أني حملته عنه ما أعطاني، وأسرع إلى أستاذه مالك ومعه التمرات ووضعها بين يديه وحكى له ما جرى ليؤكد صحة اجتهاد، وهنا ابتسم الإمام مالك وأخذ تمرة ووضعها في فمه وقال له : وأنت سقت إلي رزقي دونما تعب مني ..

فقد توكلت علي الله وهو رزقني ! فالإمامان الجليلان استنبطا من نفس الحديث حكمين مختلفين تماما ولم ينكر أحدهما رأي الآخر ، خلاصة الحكاية ..

فكر جيداً واستفت قلبك واتبع ما تقتنع به ، لكن اعرف جيدأً أن ما اتبعته ليس رأي الدين بالضرورة ولكنه اجتهاد، ولذلك احترم من يهديه عقله للحكم الآخر، فهذا من سعة رحمة الله بالناس لو كانوا يعقلون .
 

الاكثر قراءة