رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

الروح تصعد والنفس تُحاسب والجسد يفنى

27 يونيو 2018
هشام نادي

حينما تأمل المصرى القديم كينونة ذلك الكائن العجيب المسمى بـ (الإنسان) رأى فيه تسعة أشياء رئيسية أو تسعة أجسام مُختلفة, لانه صورة مُصغره للكون طبقاً للإعتقاد المصرى, وهذه الأشياء تنقسم إلى قسمين رئيسيين (المادة والطاقة أو الملموس والمعنوى) والمادة هى الجسد البشرى وعبّر عنه بلفظ (خات) ومِن سماته أنه ناقص ويمرض ويموت, أما القسم الثانى وهو المعنوى أو الطاقة, فقد قسم ذلك القسم إلى 8 أشياء : منها الذات العليا أو الروح (با) والذات الدنيا أو النفس (كا) و6 أشياء أخرى مثل وعى القلب أو الضمير والظل والجسم النورانى والجسد النجمى بالإضافة إلى قوة الحياة والإسم الحقيقىى, وهم كالتالى : (اب –  خيبيت - آخ  – ساحو  – سيخيم – رن)


عرف المصرى القديم أن الإله خلقه وأعطاه مكونات كينونته حتى يعبده ويتأمل جمال الكون, ويؤدى دوره فيه بهدف النماء والإعمار, وليس بهدف الإستمتاع المُطلق الذى قد ينتج عنه تبديد وتدمير للكوكب, وكل ذلك فى إطار حياة التجربة التى إذا نجح فيها إستحق أن ينعم بالأبدية, والتحليق بجوار الخالق بروحه فى الجنة, أما إذا أخفق فيها وأهمل دوره إستحق العقاب والحرمان من الخلود الكريم, وعليه كان لابد له أن يعمل جيداً فى الدنيا ويجتاز إختباراتها بنجاح (حياة التجربة).
ولكن حينما تأمل بعمق, وتابع مجريات الأحداث التى يمر بها, أو التى يمر بها الآخرين وجد نفسه فى حيرة بالغة, فقد رأى أن هناك خير وهناك شر, وأيضاً هناك أشياء قد تبدو شراً وليس له يد فى حدوثها, وكذلك أشياء تحدث وتبدو خيراً غير متوقعاً له أو لأشخاص لا يستحقون.
فإندهش وتعجب وطرح السؤال الأبدى :
- لماذا تحدث هذه الأحداث لى وأنا لم أرغب بحدوثها .. هل أنا مُجبر؟!
وأجاوب على سؤاله :
إذا كُنت مُجبراً فلماذا أُعاقب فى الآخرة على أشياء لم أرغب فى حدوثها؟!
ثم يعود ويطرح سؤال :
- ولكن كيف أكون مُجبراً وأنا أمتلك إرادة فعل أشياء عديدة .. إذن فأنا مُخير!!
ويعود ليردد :
- إذا كُنت مُخيراً فلماذا أمرض, ولماذا أموت؟!
وفى نهاية المطاف توصل إلى أنه مُخير بحدود ومُجبر أيضاً بحدود.


عرِف المصرى القديم أن جزء من كينونته كإنسان هو المسئول عن حدود قدرته المبنية على الإرادة, وهذا الجزء يُسمى الذات الدنيا أو النفس (كا), وهو المسئول عن الإختيار فى فعل الخير أو الشر /  الضرر أو النفع, أو أن يكون صادقاً أو كذاباً / غادراً أو وفياً, يريد أن يتعلم أو أن يظل جاهلاً / يتزوج أو أن يبقى أعزباً .. إلخ,  وذلك لكى يصبح الإنسان مخيرآ في أفعاله و تقدير مصيره, وعرف أن هذا هو ما سيحاسب عليه يوم البعث, كما عرف أيضاً أن الاله وضع فى ذاته العليا أو روحه (با) لوح القدر, ليصبح الإنسان بواسطتها مسيرآ نحو الخير الذي كُتب له, وهذا اللوح عبارة عن الأشياء التى تحدث للإنسان على غير إرادته, ودائما ما تحدث لإعطاءه تنبيه أو دعم, كأن يولد فقيراً ثم يرث ثروة كبيرة

مُفاجئة, أو كأن أن يكون شخصاً عادياً ويحدث له حادث يُجبره على تغيير نمط حياته, ويُفاجئ بعد ذلك أن حياته الجديدة أفضل مِن القديمة, وبالتبعية هذه الأشياء لن يحاسب عنها, أى أنه لن يُحاسب على أنه ورث ثروة كبيرة بل سيُحاسب على طريقة إدارتها, كذلك لن يُحاسب على الحادث, بل يجب أن يقرأ الرسالة, ويعرف الحكمة مِن وراء حدوثها, أما بخصوص الجسد (خات) فما هو إلا رداء فانى للنفس, أو كمنزل لها وأداة تساعدها على فعل الأشياء النابعة عن الإرادة ومصيره -أى الجسد- الفناء والزوال.


ولذلك نجد المصرى مؤمن بأنه حينما تنتهى حياة التجربة سوف تصعد الروح مُحملة بلوح القدر إلى السماء, وبعدها سوف تدخل النفس حاملة قضاءها فى مرحلة محاكمة الحساب, لكى تُحاكم فيها على ما فعلته فى حياة التجربة, وذلك عن طريق مراجعة أفعال النفس أى الـ(كا) أمام قضاة المحكمة, وبميزان العدل (ميزان ماعت) سيتم وضع قلبه فى كفة, وفى الكفة الأخرى ريشة العدالة, ثم بعد ذلك يتم العبور إلى حياة الخلود إذا كانت أعماله صالحه, أما بالنسبة للجسد فسوف يفنى ويعود إلى الأرض, خاصة أن الإله قد خلقه من بيئة الأرض ذاتها.
الموت ليس نهاية المطاف .. الموت بداية للأبدية والخلود

الاكثر قراءة