رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

الملك بوخوريس الأب الشرعي للقانون المدني بالعالم

19 يونيو 2018
هشام نادي

أعتقد أن ما مِن مواطن مصرى حياً أو وافته المنية إلا وقد عرف شيئاً عن هيرودوت وسقراط وأفلاطون وأرسطو وفيثاغورث وطاليس وغيرهم مِن الرموز الأضخم عند الإغريق, سواء كانت هذه المعرفة مِن باب الدراسة والتعلم الأكاديمى, أو كانت مِن باب التثقيف, وفى غالب الأمر يصحب تلك المعرفة إعجاب شديد, وإنبهار مُبالغ فيه, يصل إلى مرتبة أن ينظر ذلك المواطن إليهم كـ نظرة كاتب عرض الحالة (العرضحلجى) – الرجل الذى يجلس على كرسى خشبى تحت شمسية أمام المحاكم - إلى عالم كـ زويل أو أينشتاين, وذلك لنباهة هؤلاء ورجاحة عقولهم, وعِظم ما قدموه للبشرية مِن علوم ومعارف, وهم حقاً يستحقون الثناء والتبجيل,

ولكن ماذا لو أخبرتك بأن هؤلاء كانوا تلاميذ لمَن هم أعظم مِنهم شأناً وأرفع مِنهم منزلة؟!, ماذا لو أخبرتك بأنهم تعلموا ونقلوا العلوم والمعارف والفنون عن أجدادك العظماء؟!, بل ويعترفون بذلك وأنت وحدك الذى لا تدرى, فلا تتعجب حينما تعرف أن فيثاغورث قد أمضى 22 عاماً فى أحد المعابد المصرية لكى يتعلم الفلسفة والرياضيات وغيرها, ولا تندهش حينما تعرف أن أحد الكهنة المصريين إلتقى بهيرودوت و ربت / طبطب على كتفه

وقال له : أنتم أيها اليونانيون أطفالاً بالنسبة لنا, وذلك تعبيراً عن عراقة المصريين وضئالة الإغريق, هذا فضلاً عن إعتراف أفلاطون الصريح والواضح بأن ما مِن عِلم لديهم إلا وقد نقلوه عن مصر والمصريين, وأزيدك مِن الشعر بيتاً, فالرجل الذى أسس الديموقراطية الأثينية, وصاحب البرلمان اليونانى, والمُلقب لديهم بالمُشرع الأعظم ويدعى سولون, ذلك الرجل قد نقل وإقتبس تشريعاته وقوانينه مِن مصر, ومِن أبرز مَن نقل عنهم سولون كان الملك بوخوريس.

- مَن هو الملك بوخوريس؟
"با كن رع نف" أو بوكاريس أو بوخوريس هو ملك حكم مصر السفلى أو منطقة الوجه البحرى وضواحيه, يعتبره العلماء الملك الوحيد الذى إنتُسب بمفرده لأسرة كاملة, فيقولون أن الأسرة الـ24 تتكون مِن حُكم ملك واحد فقط وهو بوخوريس, أما عدد قليل مِن المؤرخين ينسبون معه والده إلى نفس الأسرة, بوخوريس هو إبن الملك الذكى المُناضل "تفنخت", خاض والده حرباً ضروس لتحرير مصر مِن الإحتلال الكوشى, ولكن الآثار المصرية لا توجد بها آية وثائق تخبرنا عن وجهة نظر مصر فى تلك الحرب, وعلى الجانب الآخر توجد لدى الكوشيين لوحة بها معلومات مُبالغ فيها, ونقش تلك اللوحة الملك بيعنخى الذى أحبط عملية التحرر, ما وصلنا مِن معلومات عن الملك بوخوريس تُخبرنا بأنه كان عقلية تشريعية جبارة, وإنه يحتل المركز الرابع فى قائمة أفضل 6 مُشرعين فى تاريخ مصر القديم,

لم يكن بوخوريس رجلا يسعى إلى الصدام العسكرى مع أحد, بل قالوا عنه أن بنيانه الجسدى كان هزيل, وأن عقله كان أفضل شئ يمتلكه مِن إمكانيات ذاتية, تضاربت التقديرات حول مدة حكم الملك بوخوريس, فمنهم مَن قال أنه حكم لمدة 7 سنوات, ومِنهم مَن قلل المدة لـ6 سنوات, ولكن أكثر التقديرات رجاحة وصحة هو أن بوخوريس حكم لمدة 5 سنوات فقط, عاش ومات بوخوريس فى القرن الثامن قبل الميلاد, وظلت تشريعاته وقوانينه معمولاً بها لمدة زادت على الـ900 عام, وعن وفاته قال المؤرخ المصرى مانيتون أن الملك الكوشى شبكا قد قبض عليه, وقتله حرقاً بالنار وهو  حي.

- أحوال مصر قبل وبعد بوخوريس:
فى تلك الفترة مِن تاريخ مصر كانت البلاد ضعيفة سياسياً وعسكرياً, وكان يتربص بها الأعداء مِن الشمال (الآشوريين) ومِن الجنوب (الكوشيين), وقُبيل أن يقتسما كلًّ مِنهما مصر (الكوشيون يحتلون الجنوب ثم مصر كلها, والآشوريين يطردون الكوشيين ويحتلون الشمال بدلاً مِنهم), فقُبيل ذلك كانت مصر مُقسمة ويحكمها أمراء إقطاعيين, لا يفعلون شيئاً سوى إستنزاف وسرقة أموال البلاد, ومع الفوضى التى إستمرت لنحو 3 قرون دخلت وإستوطنت مصر بعض المجموعات البدوية مِن الشرق والغرب, بالإضافة إلى توافد وبقاء مجموعات مِن الإغريق والقبارصة والكريتيين بهدف التجارة مع مصر أو التعليم والعلاج فيها,

وللإسف بسبب هؤلاء وتفاعلاتهم مع المصريين إنحرفت سلوكياتنا, ولأننا ضعفاء حينها فقد إنجرفنا إلى ثقافاتهم المتدنية, والتى مِن خلالها ظهر فى مصر الربا والرقيق بيعاً وشراء, وما إلى غير ذلك مِن أنشطة منحطة, وهى بذاتها تلك الأنشطة التى سوف تتصدى لها قوانين بوخوريس, وبحرق بوخوريس تستمر فترة الضعف لمدة تزيد على الـ60 عام, وذلك حتى نصل إلى منتصف القرن السابع حيث عبقرية السياسة فى عصور ما قبل الميلاد, الملك العبقرى بسماتيك الأول الذى سيحرر البلاد مِن الكوشيين والآشويين, وسوف يؤسس عصر النهضة عصر الأسرة الـ26.

- بعض ملامح تشريعات بوخوريس:
إستمد المصرى القديم قوانينه من عدة روافد, أهمها تعاليم العقيدة المصرية, وما جاء به "تحوت / هرمس" رمز / رب المعرفة والحكمة, بالإضافة إلى ما جادت به الأعراف والتقاليد المتبعة فى الحياة اليومية, كما إعتمد فى فلسفة قوانينه وأغراضها على آراء المتخصصين وعلى الأحكام السابقة,

هذا إلى أن وصلنا إلى عهد الملك "بوخوريس", فقد كان يـُشهد له بعقليته القانونية العظيمة, وتعتبر تشريعاته بمثابة ثورة قضائية, فيكفينا أن نعرف أنه هو صاحب مبدأ (البينة على مَن إدعى, واليمين على مَن أنكر), وهو مبدأ أساسى وخطير يُطبق فى كافة دول العالم اليوم, والذى بموجبه أصبح فرضاً على القاضى أن يعتبر المتهم برئ حتى يثبت العكس, ومِن جانب المتهم أصبح فى مواجهة مع إيمانه وعقيدته وربه, وعليه نجح هذا المبدأ فى تطبيق حسن النية مع تقوية الوازع الدينى لدى الأفراد, هذا بلإضافة إلى مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين), والذى بموجبه أصبح لا يتم الفصل فى قضايا الديون إلا إذا كانت مدونة ولها أوراق رسمية ثبوتية,

ومِن التشريعات العظيمة أيضاً لبوخوريس إلغاء إمكانية رهن المدين لنفسه فى مقابل دينه, أو بمعنى أدق إلغاء الأخذ بكيان الشخص كضمان للدين, والذى كان يترتب عليه إمتلاك الدائن للمدين كعبد إذا عجز المدين عن دفع دينه, فبهذا التشريع تم غلق باب الرق الذى جاء إلى مصر فى فترات الضعف مع هجرات الأمم المجاورة لمصر, وكانت الحكمة مِن ذلك هى المحافظة على حرية الإنسان كإنسان, والحفاظ على أمان الدولة والمجتمع, حيث كان الفرد المواطن هو أساس قوة الجيش, وبإمتلاك الغير له يصبح خارج نطاق الخدمة الوطنية, بسبب سلوكيات المرابين وتجار الديون الذين لوثوا مصر بثقافتهم التى جلبوها معهم مِن بيئاتهم البدوية الصحراوية الهمجية, بالإضافة إلى تخفيض فائدة الإقراض إلى 30% كحد أقصى, وألغى الفوائد المركبة التى مِن خلالها كانت تزداد قيمة الدين كلما تأخر المدين فى الدفع, وعليه عندما يقف القانون حائلاً أمام ذلك فإنه قد حافظ على حرية الإنسان, وحافظ على إمكانية إمداد الجيش بالجنود, أى حقق المصلحة الإجتماعية والمصلحة الوطنية, وذلك فضلاً عن قضاءه على الإقطاع والإحتكار بصوره المدنية والدينية والعسكرية, ووضع ضمن تشريعاته مواد تحفظ قيمة الشخصية الفردية للمواطنين, وتقويهم ضد أى إقطاعى لاحق, وتوضح لهم دور المواطن أمام الدولة إقتصاديا بدفع الضرائب أو بتحديد نسبة الفائدة .. إلخ, وقضائياً فى حل المنازعات التى قد تحدث بينه وبين مواطن أخر بسبب الزراعة أو التجارة والإستدانة, أو بينه وبين الدولة فى عدة أمور.

هذا بالإضافة إلى تشريعات فى الأحوال الشخصية أكدت على إمتلاك المرأة ذمة مالية خاصة بها, وأن لها الحرية المطلقة فى إدارة أموالها وممتلكاتها بالبيع والشراء والمنح, سواء فى حياتها بنفسها أو عبر وصية بعد الوفاة, كما ساوى بين الورثة سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً أو مِن الجنسين, وذلك بمعالجة القانون السابق فى هذا الشأن, والذى كان يُعطى أفضلية للأخ الأكبر جعلته يتحكم فى التركة بشكل فردى, هذا فضلاً عن أن تشريعات بوخوريس أقرت للمرأة بحرية الزواج وبحق إشتراط العصمة وبحق منع الزوج مِن الزواج الثانى, ما أدى فى النهاية إلى تحجيم ظاهرة تعدد الزوجات التى إنتشرت بسبب الوافدين على مصر.

جاء صولون / سولون إلى مصر فى القرن السادس قبل الميلاد ٥٩٥ ق.م, وهو يعتبر المشرع الأعظم لدى الإغريق, ومؤسس المجلس التشريعى لديهم, جاء لكى يتعلم القانون فى مصر, وبعد أن تعلمه قرر أن ينقله إلى بلاده اليونان, وأضاف إليه بعض التعديلات وأسماه بإسمه, ثم لاحقاً أخذته الإمبراطورية الرومانية بعد أكثر من ألف عام, وإعتمدت مدونة جستنيان بشكل رئيسى عليه, وكما فعلت روما مع قانوننا فعل الأنجلوسكسونيين, ثم أخذه نابليون منهم وأضاف وحذف, ثم أطلق عليه إسم القوانين النابليونية, وأخيراً نحن المصريين فى عصرنا الحديث إقتبسنا القوانين المدنية من القانون الفرنسى, دون أن نعرف أنها فى الأساس قوانين مصرية, أو كما يقولون : بضاعتنا وردت إلينا.

كان المصري يعى جيداً إن عقاب الجانى والمدافعة عن المظلوم هما أكبر ضامن لتوطيد دعائم الأمن والسعادة العامة لكافة أفراد المجتمع.

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
مَن أمِن العقاب أساء الأدب

الاكثر قراءة