رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

حكاية شاب عايش بـ "لسانه" !

19 يونيو 2018
وليد فاروق محمد

لو متضايق ويائس ومحبط .. اقرأ قصة محمد رمضان وقول الحمد لله
تعرض لحادث خلال السباحة تسبب فى إصابته بشلل رباعى .. وتعلم الكتابة بـ "لسانه" على الموبايل ليتواصل مع العالم  
ظل 3 سنوات كاملة لا يفعل شيئاً سوى مشاهدة التليفزيون .. وكل الأطباء أكدوا عدم وجود علاج لحالته
كان مشهوراً بلقب "الصاروخ" بسبب سرعته فى الجرى والسباحة .. ويتمنى اختراع شاشة تليفون بـ "طعم الفراخ"!

يرتبط اسم "محمد رمضان" لدي ملايين المصريين بفنان شاب أو لاعب كرة سابق بالأهلي .. الاثنان يتميزان بأنهما نحتا في الصخر وكانت بدايتهما من الصفر حتى وصلا للنجومية في مجالهما، وبالتأكيد لا يعرف أحد أن هناك شاباً عادياً يحمل نفس الاسم لكن لديه حكاية غريبة ربما تعتبرها مأساوية .. لكن هو نفسه يراها اختباراً لا بديل أمامه سوى النجاح فيه، وعرضنا لهذه القصة ليس هدفه مجرد "الموعظة" أو ابتزاز دمعة تعاطف أو حتي سماع كلمة "يا عيني عليه لسه صغير".. فقط نتوقف مع شاب مصري تغيرت حياته فجأة ولكنه لم ييأس ولازال يحلم بنقطة نور ربما تأتي في يوم ما من نهاية نفق مظلم.. فقط إذا كنت تقف علي قدميك وتمسك بيديك ولو حتي "الهواء" .. قل الحمد لله، واقرأ الحكاية .

محمد رمضان شاب عمره 30 عاماً، لا يتحرك فيه سوي لسانه .. يتكلم وينادي علي المحيطين به لكن لا يستطيع أن يذهب إليهم، الصمت بالنسبة له يعني النهاية، ولذلك يحرك لسانه وشفيته ليشعر بأنه موجود، تعرفت عليه بالصدفة في مجموعة علي "فيسبوك" حينما كان المشتركون يشيدون بعزيمته وكيف أنه دائم الدعاء بالشفاء لأي مريض وكتابة "بوستات" تشجيعية له،
 رغم أنه نفسه مريض ويكتب بلسانه! اندهشت، وعندما دخلت علي صفحته علي "فيسبوك" وجدت صورة كبيرة مكتوب عليها "الشخص اللي إنت دخلت بروفايله ده محتاج دعوة من قلبك بجد".. وعبارة أخري تقول: "في أول المرض كنت بكلم نفسي .. والحمد لله بعد سنين من المرض بقيت برد عليها كمان"، كانت تعليقاته لا توحي بأي شيء مختلف.. يتابع كل شيء وينشر دائماً بعض العبارات الشهيرة والحكم مثل مقولة شكسبير: " الزَّمن بطيءٌ جدًّا لِمن ينتَظر، سَريع جدًّا لِمن يخْشى، طويلٌ جدًّا لِمن يتألَّم ، قصيرٌ جدًّا لِمن يَحتفل، لكنَّه الأبديَّة لِمن يحبّ"، وعندما اتصلت به وافق علي الحديث بكل بساطة.. وبدأ الحوار. 

البداية

محمد رمضان عليوة، يعيش في بورسعيد وحاصل علي مؤهل فوق متوسط، كان يعمل فني تركيب "ألموتال"، كان يعيش حياة بسيطة وهادئة ومرتبط بخطوبة وعلي وشك الزواج، هوايته الوحيدة هي السباحة في البحر .. وفي أحد الأيام منذ 4 سنوات وبينما كان يقوم بالقفز فى البحر اختل توازنه وسقط علي رأسه مما تسبب في تدمير الفقرتين السادسة والسابعة وقطع الحبل الشوكي .. وعندما أفاق من الغيبوبة في المستشفي كانت الصدمة في انتظاره، فقد أصيب بشلل رباعي لأن مرضه بلا علاج .. وأصبح مكتوباً عليه أن يعيش طريح الفراش بقية حياته.

صدمة

شاب عمره 26 عاماً يجد نفسه فجأة يحتاج لمن يعاونه إذا احتاج مجرد كوب ماء.. عاد طفلاً يحتاج لمن يغير ملابسه ويساعده في الاستحمام، خسر كل شيء .. عمله وخطيبته وكل الأموال البسيطة التي كان يدخرها لزواجه.. كله راح بسبب المرض، يقول محمد : عندي شقيق واحد اسمه إسلام ، طبعاً هو ووالدي ووالدتي أصيبوا بصدمة كبيرة بعد الحادث.. لكن في النهاية هذا قضاء ربنا، أما أنا فلم يكن لدي حتي رفاهية الحزن أو الضيق.. فكل شيء تصلب فجأة ولم يعد لي سوي "لسان" فقط ، الحمد لله على كل حال،  وحالتى تشخصيها قطع في الحبل الشوكي .. وخلال سنوات تابعت مع عشرات الدكاترة وسألت كثيرين وكانت النتيجة أن حالتي لا علاج لها.

تعايش

محمد طوال 3 سنوات لم يكن يفعل أي شيء .. فقط ينام علي سريره لمشاهدة التليفزيون وانتظار من يمر أمامه أو يأتي لزيارته، حياة رتيبة أصبحت بمرور الوقت مثل قدميه ويديه .. بلا شعور، والداه وشقيقه فقط من وقفوا بجانبه وحاولوا دعمه، يقول : مفيش جديد.. طول اليوم في السرير وخروجى من المنزل نادر، كل اعتمادي على أمي في الأكل والشرب، الكل تعب منى إلا شقيقي الذي كان يساعدني في كل شيء، نعم حياتي كانت صعبة وكل الأحلام أصبحت مؤجلة وليس لدي أي دافع لانتظار الغد .. لكن وسط كل هذه الغيوم لم أفقد حماسي للحياة وشغفي بالأمل، بالعكس .. كنت أقول لنفسي إن حالي أهون من غيري، فبعد الحادث خضعت لعملية جراحية صعبة وخطيرة خرجت منها إلي العناية المركزة، وعندما فتحت عيني وجدت صمتاً رهيباً .. كل من حولي فى غيبوبة، ولاحظت أن الممرضات يرتدين طاقماً بلون واحد.. وفى مرة ناديت علي ممرضة لكنها لم تكن موجودة، وكانت تمر من أمامي شابة تحمل مجموعة أدوية فناديت عليها، وعندما عادت الممرضة سألتها عن هذه الشابة فقالت لي: إنها مريضة مثلك، وفي اليوم التالي عرفت قصتها.. 9 سنوات تعيش داخل العناية المركزة، فقد خضعت لعملية فى القصبة الهوائية نتج عنها أن الأطباء عملوا لها مخرجاً للتنفس، وبالتالي لا تستطيع أن تنام ليلاً إلا بعد توصيلها بجهاز تنفس خاص بالحنجرة وإلا تموت، وهذا الجهاز ثمنه غالٍ جداً، ولذلك من يومها وهى مسجونة داخل العناية المركزة .. خسرت شغلها وباعت كل ما تملك وزوجها طلقها، فقط تخرج كل يوم خميس صباحاً لزيارة أهلها وتعود قبل المغرب .. ورغم ذلك تضحك ولا تقول إلا "الحمد لله"، هذه الشابة هى من أكبر أسباب صبرى على المرض.. ولذلك خرجت من العناية المركزة وأنا أعتبر الشلل الذي أصابني مجرد نزلة برد .. لكنها ستطول بعض الشيء.

فكرة

المدهش في حكاية الشاب محمد رمضان ليس فقط الحادث الأليم الذي تعرض له، لكن أيضاً قدرته الغريبة علي التعايش مع حالته والتمسك بالأمل، يقول: ظللت طوال 3 سنوات من المرض أشاهد التليفزيون فقط حتي تزوج أخي، وكانت زوجته معها تليفون "تاتش" وطلبت منها أن تساعدني في الدخول علي صفحتي علي فيسبوك بعد غياب طويل حتى أري العالم من جديد، وكنت أخرج إلي الدنيا من خلال تليفونها كلما جاءت الفرصة، وطبعاً لم أستطع بسبب مرضي الإمساك بالتليفون .. فقط كنت أشاهد وهي تمسكه بيدها، وفي إحدي المرات قالت لي: "جرب كده تدوس على الشاشة بلسانك"، الفكرة كانت غريبة.. لكن مع التدريب وبمرور الوقت الموضوع أصبح سهلاً، والآن لساني أصبح مثل أصابع يدي تماماً .. وكأنني أكتب به ما أريد أن أقوله، وهذا طبعاً فرق لدي كثيراً وأصبحت أعيش حياة جديدة عبر صفحات الإنترنت، أصبح لي أصدقاء من كل أنحاء العالم يهونون علي الوحدة والمرض، ليس فقط أشتد بهم في محنتي، لكنني أحاول تقديم المساعدة النفسية لكل من يمر بمحنة أو مرض، فالسعادة لحظة.. لكن الرضاء بأمر الله هو سر الحياة كلها.

الأمل

يقول محمد : حالتي صعبة وجسدي بلا حراك لكن روحي مازالت تعيش وأقوى من أي ظروف، أنا ممكن أتزوج لكن الفكرة ليست فقط في حالتي الصحية.. لكني بلا إمكانيات مادية وصعب أن أعمل، وقد اشتغلت لفترة في مجال التسويق الإلكتروني لكن التجربة لم تستمر، وربنا سبحانه وتعالي بالتأكيد سيقدر لي الخير.. وعندما وقع لي الحادث انتشلني من البحر شابان لا أعرفهما وظلا معي بالمستشفي واتصلا بأهلي ثم اختفيا.. هؤلاء لم أنسهما مطلقاً حتى قابلتهما علي فيسبوك مؤخراً بالصدفة، وهكذا أعرف أن الله سيضع في طريقي من يساعدني، وأنا عرضت علي خطيبتي أن تتركني عندما عرفت أن مرضي طويل.. رفضت أن أظلمها معي، هي قالت ستصبر لكن بعد 6 أشهر لم تعد تحتمل وهذا طبيعي، وزمان كان لقبي وسط أصحابي "الصاروخ" بسبب سرعتي في الجري والسباحة.. وكذلك كنت أهوي قيادة الدراجات النارية، لكن حالياً.. الحمد لله، ورغم ما حدث لي لم أكره البحر .. بالعكس تحديت نفسي وذهبت للسباحة بمساعدة شقيقي بعد فترة طويلة لكي أكسر الحاجز النفسي، شعور ممتع أن تخوض تجربة كانت السبب في أزمة حياتك!

أمنية

 سألت محمد: متي كانت أكثر لحظة تمنيت فيها الوقوف علي قدميك خلال السنوات الماضية ؟ رد بسرعة: عند ولادة ابنة أخي، كان نفسي أن تتحرك يدي لكي أحملها وألعب معها، لكن عموماً أنا لا أعرف اليأس.. اليأس خيانة، وكما يقولون : "الممكن" سأل "المستحيل" أين تقيم ؟ فأجاب : في أحلام العاجز.. وأنا مشلول الجسد.. لكنني والحمد لله لست مشلول الروح والإرادة، وبمناسبة التفاؤل .. أنا أتمني أن شركات الهواتف المحمولة تصنع شاشات بأطعمة مختلفة لمن يستخدمون ألسنتهم في الكتابة مثلي .. "ياريت مثلاً يخترعوا تليفوناً بطعم الفراخ".






الاكثر قراءة