رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

حواديت..94 عاماً على عرش مصر!

8 يونيو 2018
وليد فاروق محمد

عندما قامت ثورة 25 ينايــر قيل أن أحد أسبابها استمرار مبارك لمدة 30 عاماً في الحكم ، وهي مدة طويلة طبعـاً .. لكن الحقيقة أن المتأمل لقائمة حكام مصر عبر التاريخ سيجد أن بعضهم تجاوز هذا الرقم ، لكن دائماً كان يلفت نظري ملكاً فرعونيا اسمه " نفر كا رع " أو المشهور تاريخياً باسم " پيپي الثاني " ، فقد وصل إلي عرش مصر وعمره 6 سنوات بعد وفاة والده وحكم لمدة 94 عاماً كاملة وتوفي وعمره 100 عام ،

في البداية كانت أمه وصية عليه وخاله الأمير "جاو" وزيره وصاحب اليد العليا في تصريف أمور البلاد ، ولكن بعد سنوات قليلة من تدريبه علي الحكم تولي هو مقاليد الأمور ، نحن هنا نتكلم عن تاريخ يعود لنحو 2278 عام قبل الميلاد ،

وكثيراً ما حاولت تخيل كيف يقضي شخص واحد كل هذه السنوات في الحكم ، وپيپي الثاني معروف عالمياً بأنه صاحب أطول فترة حكم لملك في تاريخ البشرية ، عموماً هذا الملك كان خامس حكام الأسرة الفرعونية السادسة واشتهر بالحملات التي كان يرسلها إلي لكبح جماح حكام الأقاليم الذين ضعف ولاؤهم للحكومة المركزية ، والمدهش أن المؤرخين يؤكدون أنه كان ملكاً ضعيفاً ولم يكن قادراً علي تصريف الأمور واخذ حكام الأقاليم يسلبونه سلطاته وعمت الفوضى أرجاء البلاد ، وكان أبرز ضحايا هذا الوضع العمال والفلاحين والفقراء ، وزادت المخاطر من حدود مصر الجنوبية بعدما تمردت قبائل النوبة على الملك الضعيف حتى إنها تجرأت على قائد بعثته التجارية وقتلته ، ولم يرسل بيبي الثاني الجيش لتأديبهم

بل جاء في النصوص المصرية أن الملك بعث ابن القتيل إلى النوبة لإحضار جثة والده وزوده بالهدايا ليسمح له النوبيون بالعودة بالجثة ، وقد بحثت طويلاً عن إنجاز للرجل يسمح له بالجلوس علي عرش مصر 94 عاماً فوجدت أنه أهتم بإرسال الحملات إلى قلب القارة الإفريقية من أجل القيام بمبادلات تجارية ، وبالفعل نتج عنها إحضار أقزام من مجاهل أفريقيا كأدوات للزينة واللهو في البلاط الفرعوني  ، كما قام الملك ببناء هرم في جنوب سقارة وألحق به معبدان ، ومن ابتكاراته التي يشهد لها التاريخ أن الذباب كان يزعجه .. فتوصل لفكرة غريبة وهي أنه كان يصطحب عبيدا عرايا أجسادهم مدهونة بالعسل لكي ينجذب إليهم الذباب بعيداً عنه ، وبعض المؤرخين يرجعون سبب ضعف الحكم في عصر بيبي الثاني إلي جعله للصعيد وزيرا وللدلتا وزيرا آخر ..

وقد أسند وزارة الصعيد إلى النبلاء من عائلته وأسند وزارة الوجه البحري إلى رجال من البلاط الملكي ، وكانت النتيجة أن قامت ثورة جياع هي الأولي في تاريخ البشرية ، ووصف المؤرخ الكبير سليم حسن هذه الثورة بأنها مثل " الثورة الشيوعية " تماما حطمت وهدمت كل شىء ، وقال إن الناس ماتت من الجوع وكانوا عاجزين عن دفن موتاهم حيث ألقوا بالجثث في النيل حتى أصبحت التماسيح ضخمة ،

وهجم الناس على قبور الملوك وانقلبت الأوضاع في المجتمع وحتى الأمهات لم يعدن ينجبن، والمرأة التى كانت ترتدى الكتان تمشى ممزقة الثياب والتى كانت تملك المرايا لم تعد ترى وجهها إلا على سطح الماء، ولم يعد أحد يحترم الكبير ولا العالم ولا رجل الدين ولا أبويه، وانهارت الدواوين والمحاكم ونُهبت سجلاتها

وانتشرت عصابات السرقة والقتل وأفلست الخزانة العامة وصار اللصوص أغنياء، لم يعد احد يضحك وكان الناس يقولون " يا ليتنا متنا قبل هذا " ، ولا أحد يخاف من رجال الأمن ولا النبلاء ولا الكهنة ولا الأسر المالكة ،  وأحداث هذه الثورة جاءت في مدونة كتبها مؤرخ اسمه (ايبوير) في بردية بعنوان (صرخة نبي)، عموماً ..

بعد وفاة بيبي الثاني خلفه في الحكم " مرن رع " الثاني آخر فراعين الأسرة السادسة وقد تولى الحكم لمدة عام واحد ثم بدأ عصر الأسرة السابعة أو ما يعرف تاريخياً بعصر " الاضمحلال " حيث التدهور الاقتصادي والثورة الاجتماعية ، واستمر الأمر كذلك حتى عام 1155 قبل الميــلاد  وبالتحديد خلال فتـــرة الملك رمسيــس الثالث حينما اندلعــت ثورة أخرى في مدينة الأقصــر ، وبمناسبة مبارك الذي تحدثنا عنه في البداية ..

الثورة اندلعت ضد رمسيس الثــالث بعد أن أكمــل 30 عاماً في الحكم  ، واستمرت 18 يومــاً .. وقادها العمال بعد سلسلة من الإضــرابات للمطالبة بتحسين أحوالهم .. لكن رمسيس الثالث كان " ينتوي " البقاء فعلاً في الحكم ويورث العرش لابنه .. ولذلك كان واضحاً وعملياً واستجــاب لمطــالب العمال حتى هدأت ثورتهم ، عجيب تاريخ مصر .. أليس كذلك ؟! .
 

الاكثر قراءة