رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

كل المصرى على المصرى حرام

20 ابريل 2017
الهام رحيم

بقلم: إلهام رحيم

"أنت مش عارف أنا مين....أقسم بالله ما ح أسيبه غير لما أخد حقي... يا أنا يا أنت المكان ده ميستحملناش إحنا الاتنين... أنا هخليكي تسفي التراب... أنا هخليك تتمني الموت...أنا هجيبه زاحف علي ركبه ...أنا هخليه عبرة "... أكاد أجزم أنه لا يوجد مصري باستثناء قلة قليلة لم تذكر إحدى هذه الجمل في خلافاتها علي أي مستوي ..فالثأر والانتقام والتجبر مع الخصوم صار جزءًا من السلوكيات التي تسيطر علينا بعيدًا عن كل معاني الإنسانية والأخلاق وقبلهما الدين!

وقد زاد الانهيار الأخلاقي في مصر خلال السنوات الأخيرة حتى امتدت الكراهية والضغائن لتصل للموتى الذين يودعهم بعضنا بالسباب واللعان.. والسؤال: ماذا يمكن أن يكون مستقبل أمة لا تعرف كثرة من أهلها المغفرة مع الخصوم في أي مجال؟ أي رحمة ننتظرها من السماء، وأرضنا نزع من قلب أغلب أهلها التراحم؟ أي دعاء يمكن أن يستجاب ممن يمتنعون عن قول كلمة بسيطة مثل "الله يسامحك"!

أمة العديد  من أبنائها  ضعفاء منبطحون منهارون أمام  فكرة التشفي وإذلال الغير ..  مغترون بقدراتهم التي تهيئ لهم إمكانية البطش والسحق للمختلفين معهم لدرجة استباحة دمائهم أحيانا وأعراضهم غالبًا وأموالهم دائمًا... نعم استباح بعض المصريين بعضهم البعض رغم أن كل قيم المواطنة تؤكد علي أن كل المصري علي المصري حرام، فلماذا استحللنا حرمة كوننا إخوة في وطن واحد، وزملاء في أماكن واحدة، وأشقاء وأزواج وأهل في أسر واحدة.

"لا رحمة ولا تسامح " تحول لشعار الكثير منا في التعامل مع من حولناهم لأعداء لأي سبب وفي أي مجال وعلي أي مستوي... ابتعدنا في كثير من الأحيان عن كل ما يقربنا من حب الله الذي يقول: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) ... أبينا أن نكون محسنين مع من نتعارك معهم أي معركة حياتية تافهة، مهما كانت كبيرة أو صغيرة ..امتنعنا عن الاستقواء بالرحمة واللين في مواجهة من نحتكُّ بهم  ....ترفعنا بجهل عن التسلح بالحب في مجابهة أي كراهية وعنف نواجهه... سخرنا كل إمكاناتنا للقتل والتنكيل بعد أن أَمتنا ضمائرنا... فالضمائر اليقظة فقط هي التي علي استعداد لأن تموت لكي تحمي من يختلفون معها؛ لأنها  تدرك أن التسامح لا يملكه إلا الأقوياء، والضعفاء فقط هم من لا ينسون الإساءة ولا يغفرون ويحولون ضعفهم وتشوههم النفسي والأخلاقي لنار تلتهم من يصفونهم بالأعداء.

ونعاود التساؤل عمن نحن، حتى نمتلك هذا التجبر والغطرسة؟.. من نحن وما هي قدراتنا أمام قدرة الله علينا؟ لا شيء.. قولا واحدا، نحن لاشيء، إذا ما كنا مصدرا لتحويل بلدنا أو عملنا أو دراستنا أو عائلاتنا لقطعة من الجحيم.. وماذا سنجني في نهاية هذا الجحيم؟ لا شيء، إلا الطرد من رحمة الله وجنته، وهذا ما حدثنا عنه سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين قال: (حرمت النار علي كل هين لين قريب من الناس)... فالتسامح من شيم أهل الجنة .. الجنة التي يمكن أن نعيش فيها علي الأرض إذا شئنا وقررنا العفو عند المقدرة، وخضنا حربنا الأهم ضد أنفسنا بكل تكبرها وتعاليها، بدلاً من الحرب لهزيمة فلان أو القضاء علي علان.

لماذا لا نعتبر من يخطئ في حقنا معلمًا لنا في كيفية السمو علي الصغائر، فهل هناك ما هو أهم من أن نكون "بني آدميين حقيقيين "؟ لماذا أصبحت الإهانة والتجريح أسهل علينا من التصافح الذي يذهب البغضاء؟ لماذا صار حمل الخناجر المادية والمعنوية في أيدينا لطعن من يقفون في الاتجاهات المضادة لنا أسهل من احتوائهم و"الطبطبة" عليهم وعلي مواقفهم وأفكارهم وأقوالهم حتى لو لم نتفق معها ؟ لماذا يتصور الكثيرون منا الآن أن عالمه لا يتحمل إلا أفكاره وآراءه وتوجهاته ومواقفه، رغم أن العالم أرحب من ذلك بكثير؟

(إذا ذكرتم بالله فانتهوا) هكذا جاء الأمر النبوي، وهكذا ظلت أخلاق المصريين إلي أن تم إفسادها عمدا- مع سبق الإصرار- ليتحول الكثير منا لضباع يلتهم بعضنا البعض بلا رحمة، وكأن الله لم يعد موجودا في حياتنا.... لذا صار لزاما علي كل منا البحث عن الله الذي سنجده في كل مكان تتَواجد فيه المحبة والرحمة والتسامح... الله يبسط يده في الليل ليرحم مسيئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل ويدخله في رحمته،  فلماذا نغلُّ أيدينا عن رحمة بعضنا البعض ومن نحن لنفعل ذلك، وهل - لا قدر الله - ينطبق علينا قوله تعالي:( نسوا الله فأنساهم أنفسهم )؟

 

الاكثر قراءة