رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

دكان سعادة

20 ابريل 2017
يسري الفخراني

الأرواح .. لها حياة أخرى غير حياتنا . لا تحسب هكذا بالسنوات التى تمر عليها .. إنما تحسب بقدرتهاعلى شهية السعادة والأمل والحلم والحب .
النافذة الصغيرة المتاحة فى قلوبنا .. منها نطل على مانشاء من الحياة ، إما أن نفتح بابها كاملا أو نواربه أو نغلقه . إما أن نطل على حياة بلا نهاية وإما نطل على أطلال حياة . إما أن تبقى أرواحنا خضراء تتسع لملايين الزهور الجميلة وإما أن تحترق دون أمل فى زهرة واحدة !
قليل من الناس من يملكون القدرة على البقاء بالروح الطفلة .. ملائكية .. نقية شفافة تحمل صفاء موحيا بالخير والطيبة .. روح بسيطة راضية خفيفة تعرف أن الحياة قصيرة مهما طالت .. تمر فوق الأشياء ولا تجعل الأشياء تمر عليها وتحفر عليها آلام قاسية .

هل هؤلاء خارج الزمن .. لا يدركون ماهى الحياة الصعبة التى نعيشها .. ؟ أم هم أصحاء إلى درجة أننا نحسدهم ونتهمهم بالسذاجة من فرط طيبتهم وسماحتهم ؟
لماذا الأغلبية تبكى فى صمت ؟
لماذا يتألمون أكثر مما يحتمله الإنسان ؟
لماذا لا يجلسون للتفكير فى أسباب أحزانهم العميقة واكتئابهم المستمر ؟
لدينا ملايين الأرواح مكتئبة لأسباب مختلفة .. أو بسبب مجموعة من الأشباح الهائمة فيها .. فى منتصف العمر وأقل شاخت وتساقطت أوراقها الخضراء بكل ضيها الجميل والمدهش .. انكسرت الفروع التى تحمل أزهارا .. من السبب ؟ ماهو السبب ؟ ..
من أين نشترى السعادة ؟
من أين نحصل على الفرحة والبهجة والقدرة على الأمل والقوة على الحلم والقدر الكافى من الحب .


لا يوجد محل يبيع السعادة ولا موقع على الإنترنت يتيح الفرحة أو الحب !
الفرق بين روح صغيرة تبكى وتتألم وتصرخ .. فتصبح مرهقة وموجوعة ، وبين روح كبيرة تضحك وتفرح وترضى .. فتصبح فى ملمس الأطفال ناعمة وبسيطة ، هو الفرق بين سيدة  تعيش حياة بدائية بسيطة فى بيت بسيط مطل على أرض خضراء تأكل جبن الماعز وتشرب حليبه وتزرع زهورا وترعى أحفادها .. وبين امرأة مزروعة بحياتها فى الزحام وفى الخوف وفى الأرق وفى ثقافة استهلاك لا تنتهى وفى غيمة إعلانات لا تصفو .. حياتها هى سباق نحو ماتملك وماتريد أن تملكه .. كل يوم هناك سباق نحو الامتلاك .. وبالتالى هناك سباق آخر نحو التنازلات .. تتنازل عن هدوء البال مقابل امتلاك سلعة .. تتنازل عن أيام من عمرها تقضيه فى عمل قاتل مقابل امتلاك جهاز جديد .. تتنازل عن البقاء مع أطفالها أو عائلتها مقابل تذكرة سفر !


معاناة المرأة العصرية نابعة من هذا العالم الذى يتسع يوما بعد يوم للاستهلاك .. ماذا أشترى اليوم ؟ ماذا أشترى غدا ؟ ومالذى لم أمتلك القدرة على امتلاكه حتى الآن ؟ .. مأساة استطاعت المرأة الغربية التغلب عليها إلى حد ما بحالة من النضج .. لقد بدأت فى الغرب ثقافة عكسية .. ثقافة " مانملكه يملكنا .. ومالانملكه لا يملكنا " ، ثقافة الدولاب الذى لا يتسع لأكثر من ثلاثة فساتين وحذاء ! .. ثقافة مقاطعة الأجهزة التى تنذر بخطر عقلى وعاطفى وخطر أكبر على البيئة . واختصار استهلاك أدوات التجميل . حتى السياحة بدأت تتجه بقوة منذ سنوات نحو البلاد الرخيصة والتى تعتمد على الحياة البسيطة البرية .


معنى هذا : نحن نستهلك ماينتجه الغرب بحثا عن السعادة التى يعيشون فيها .. بينما هم يتنازلون عن هذه الثقافة التى اخترعوها لافتقادهم الحياة التى تسير نحو الطبيعة .
الجمال والأناقة لا تحتاج إلى الكثير من المال .. فى الأصل تحتاج إلى النظافة المطلقة والعناية بالتفاصيل . كما أن التطور والتحضر ليس فى احتياج إلى آخر نسخة من أى باد أو أى فون .. لكن إلى آخر طبعة من رواية جميلة وعميقة مع زهرة واحدة فى إناء يتوسط المائدة .


الشبع ليس فى احتياج إلى طبق ضخم .. إنما إلى طبق صغير أعد بعناية وحب  !
السعادة أقرب لك مما تتصور .. والتخلص من حالة الاكتئاب وأحواله طرق يمتلكها الإنسان الذكى .

الاكثر قراءة