رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

محمد.. آخر مكوجية الرجل في حي الحسين

12 مارس 2017
كتب : خالد جلال عباس
تصوير : نور الدين عادل
 
"المهنة ستنقرض قريبــًا جدًا .. إن لم تكن انقرضت بالفعل"
 
وزنه الخفيف وقصر قامته لا يتناسب بالمرة مع حجم المجهود والإرهاق الذي يبذله محمد محسن مكوجي الرجل، (كوَّاء القدم، وهي مهنة يستخدم الكواء فيها قدمه لتحريك المكواة وكي الملابس) يستخدم تقريبا معظم عضلات جسمه عند ممارسته لعمله، يثني ضهره كأنه في وضع الركوع، مثبتا قدمه على المكواه، محملا على يده ليحرك المكواه على سطح ما يرغب بكيه، يتنقل هنا وهناك على سطحه بكل سلاسة وليونة، متعاملا مع وزن المكواة الثقيل وسخونتها المرتفعة التي يشعر بحرارتها في قدمه طول لحظات الكي، التي تستمر معظم أوقات اليوم، يستمع إلى حليم وأم كلثوم على الراديو القديم الخاص بها، ليهون عنه مجهود يومه.
 
بدء محمد حديثه قائلا :"ربما لا يخطف بصرك هذا المحل، الصغير، الذي يقع في حي من أحياء الحسين وسط القاهرة، عندما تري شخص يحمل بيديه هذه القطعة الحديدية، التي تزن 30 كيلوغراما، فزبائن هذه الأيام أصبحت تطلب السرعة فتلجأ إلى محلات الكوي البخارية، ولا يلجأ لمكواة الرجل، التي كادت أن تختفي في عصر التكنولوجيا الحديثة، إلا من يعلم جودتها في الكوي عن المكواه البخارية".
وروي محمد حكايته مع المهنة النادرة قائلاً: "لم أكن محبــًا للمدرسة، كنت دائم الهروب منها، كان عمري 12عامًا، عندما قلت لوالدي لا أريد أن أدرس، وأريد أن أتعلم مهنة، تعلمت المكواة في درب المهابيل بحي عابدين، وهو أحد الأحياء الشهيرة التي ورد ذكرها في روايات الأديب المصري صاحب نوبل نجيب محفوظ".
 
وذكر :"مهنتي تكاد تكون منقرضة، ولا أحد يرغب في أن يعمل بها، اشتريت لابني مكواة حديثة، حتى يعمل معي، لكنه رفض لأن المهنة شاقة، لكن لا يوجد لدي مهنة أخرى أرتزق منها، و لم أستطع تبديل هذه المكواة بأخرى حديثة، خوفا من فقدان زبائني، المكواة التي أعمل بها مختلفة، تزن 30 كيلوغراما، وأنا أقف عليها، فأستطيع مثلا أن أقوم بكي ملابس ثقيلة، يصعب لأي مكواة عادية حديثة كيها ".
 
واعتبر محمد أن (ندرة) مهنته تميزها لأن لها زبائن (عملاء)، معينين ومن شتى الطبقات الاجتماعية، والاقتصادية، منهم من يعمل وكيل وزارة، ومدير بشركة، وبينهم من يسكنون في الأحياء الراقية بالقاهرة، ويأتون له خصيصًا من أجل أن يقوم بكي ملابسهم بهذه المكواة العتيقة، فزبائني هم أصدقائي وإخوتي، يأتون إلي بشنطة كبيرة بها معظم ملابسهم، ثم يمرون علي في المحل بعد بضعة أيام، فيجدون كل ملابسهم معدة وجاهزة.
 
وأوضح محمد قائلا:" أنا أستطيع أن أعمل بمكواة يد حديثة، لكن المكوجية الجدد، لا يستطيعون أن يقفوا مثلي على مكواة القدم، هي مثل الشخص الأخرس لا تتحدث، ولكن أنا أعرف كيف أتعامل معها، يمكنني أن أعرف مدى سخونتها الملائمة، وأعلم متى أتوقف عن استعمالها خوفا من حرق الملابس".
 
وأضاف: "اشتغلت في محل مكواة رجل، بمقابل يومي، منذ 25 عاما، كثيرون كانوا يعملون بالمهنة بالأجر، وكل منهم يحصل على جنيه مصري واحد في اليوم ( الدولار الآن يساوي 7 جنيهات)، في ذلك الوقت كان الجنيه له قيمته، لكني تركت المحل، وفتحت محلي هذا، والمحل الذي تعلمت فيه الحرفة تحول الآن إلى محل مكواة حديث، فصاحبه لم يجد شبابا صغيرا، كي يتعلموا منه المهنة".
 
وبصوت خافت وحزين ختم عم سيد صالح حديثه قائلاً: "المهنة ستنقرض قريبــًا جدًا، إن لم تكن انقرضت بالفعل، متمنيــًا أن تحصل هذه المهنة على ما تستحق من جانب الدولة".
 
والجدير بالذكر أن الصينيين هم أول من ابتكروا مكواة الرجل، في القرن الرابع الميلادي ثم انتقلت الفكرة إلى أوروبا وظلت تتطور الفكرة، حتى وصلت إلى شكل المكواة الحديثة بالكهرباء، والتي ابتكرها الأمريكي هنري سيلي، عام ١٨٨٢.


 

الاكثر قراءة