رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

الحياة على القطار السريع

9 مارس 2017
محمد صلاح أحمد

وُلد في عائلة ثرية وكان له أخت تصغره بعامين وقام والداه بتربيتهما ورعايتهما وتوفير العناية الفائقة لهما، وأمضي الولد فترة الطفولة والصبا كسائر أقرانه لا يشعر بفارق بينه وبينهم إلا أنه كان معتزا بنفسه وهو ما كان يعجب والديه في شخصيته، وأمضى الولد فترة الصبا والمراهقة مثل القطار السريع الذي يعبر المحطات دون التفات إلى عددها أو الركاب على المحطات، وعندما التحق بالمرحلة الثانوية ثم الجامعة وبلغ سن الرشد ازداد إعجابه بنفسه وبجسمه المتناسق المفتول العضلات

وكان حريصا على أناقته ومظهره وطريقة حواره مع الآخرين فلا يتحدث إلا بحساب ولا يبتسم إلا بقدر وكان يرى نفسه أفضل من أصدقائه وزملائه وازداد عُجب الفتى بنفسه بصورة شبه مرضية فكان يسرف في شراء الملابس والساعات والأحذية باهظة الثمن وكان يتفنن في شراء المقتنيات الشخصية الفريدة

وكان لديه بدلا من الحذاء عشرة أحذية ولا يجلس في المنزل إلا بملابس الخروج وأول شيء كان يفعله بعد نهوضه من السرير هو تمرير الفرشاة على شعره حتى يخرج من غرفته حسن المظهر وعندما كان يذهب مع أصدقائه إلى المطاعم كان شرطه الوحيد أن يكون المطعم فخما أنيقا والخدمة فيه خمسة نجوم وعندما أعطاه والده مبلغا كبيرا من المال لشراء سيارة اختار أحدثها وأكثرها رفاهية وتميزا في الشكل واللون، وفي كل عام كان يذهب صيفا لقضاء فترة من الإجازة في القرى السياحية المشهورة في الساحل الشمالي وكل عدة أعوام كان يسافر إلى باريس لقضاء أسبوع، وكان يفرح دائما بالتفاف البنات حوله في الجامعة أو النادي

وكان يغير هاتفه النقال كل عام ويشتري أغلى الأنواع ولم يكن يستخدم ألفاظا متجاوزة في التفكه مع أصدقائه وكان يذهب لقص شعره بانتظام كل ثلاثة أسابيع حتى يراه الناس بمظهر ثابت كأنه لم تطرأ عليه أية تغييرات.


وبعد تخرجه في الجامعة ألح عليه والده للالتحاق بعمل وعرض عليه أكثر من فرصة لكن اعتزاز الشاب بنفسه أخر التحاقه بالعمل وجعله يرفض معظم الفرص التي توافرت أمامه لأنه كان ينظر أولا إلى سلبيات العمل الذي سيلتحق به ولا يلتفت إلى إيجابياته كثيرا فكان يريد واهما أن يبدأ عمله رئيسا لشركة أو مديرا وبعد ثلاث سنوات التحق بعمل مرموق لكن عقدة الاعتزاز بالنفس منعته من التعلم والاستفادة من خبرات زملائه ورؤسائه في العمل وكان ينفق المرتب الكبير الذي يحصل عليه كل أول شهر بجانب إنفاقه مبلغا آخر كان يحصل عليه شهريا من والده.


وعندما وصل إلى سن الثلاثين طلب منه والداه أن يتزوج فأمضي عامين في اختيار شريكة حياته التي كانت شروطه فيها أن تكون فائقة الجمال وعالية الأناقة ومن عائلة مرموقة، ووجد مراده وتزوج وأقام فرحا بالغ في مظاهر الثراء فيه، ومضى في طريق الحياة بأسلوبه ورزقه الله بطفل لكنه لم يقم بتحمل أية مسئولية في رعايته ولم تشعر زوجته بذلك في البداية وبعد عام رزقه الله بطفل آخر وزادت المسئولية على زوجته التي حاولت كثيرا أن تلقي ببعضها عليه لكنه تنصل منها بالكامل وظلت زوجته تضغط عليه حتى يشاركها مسئولية تربية الطفلين لكنه كان يتهرب وبدأ الوضع يتحول إلى أزمة وحدثت العديد من المشكلات بينهما فلجأت الزوجة إلى والديه للضغط عليه وقام الوالدان بإقناعه ليتحمل نصيبه من المسئولية على أقل تقدير حتى تمضي الحياة بسلام لكنه ماطل أحيانا وتهرب بذكاء في أحيان أخرى إلى أن فاض الكيل بزوجته وغادرت المنزل تاركة الطفلين معه بحجة ذهابها لرؤية والدتها التي مرضت فجأة ونقلت إلى المستشفى، وذهبت إلى منزل أبيها وتناقشت مع والديها إلى أن استقروا على طلب الطلاق وترك الطفلين معه وأبلغته هاتفيا بقرارهم في نفس الليلة

وأكدت أنه في حالة عدم موافقته سوف تلجأ للقضاء لتخلعه.
أُسقط في يد الزوج ما حدث وذهب على الفور إلى منزل والدها ومعه الطفلان وحاول إقناعها بالعودة معه لكنها رفضت فأخذ الولدين إلى منزل أبيه وأقام عندهما لفترة حاول فيها إثناءها عن قرارها ودعا أطرافا كثيرة من عائلته وعائلتها للتدخل وحل المشكلة لكنها أصرت وانتهى الأمر بطلاقها.


وانتقل للعيش في منزل والده لأنه لم يكن قادرا على مواصلة الحياة ومعه الطفلان، ومرت الأيام والأسابيع دون أن يتغير ولم ينس يوما أن يحافظ على مظهره المتأنق وإظهار تفوقه على معارفه وأصدقائه وحاولت أمه وأبوه إشراكه في مسئولية تربية الطفلين لكنه واصل تنصله فاتفق والداه على بعض الحيل التي تجبره على مد يد العون فكانا يتظاهران أحيانا بالمرض ليرعي الطفلين، واستمرت المعاناة التي شعر بها لأشهر حاول خلالها بشتى الطرق أن يعود إلى زوجته التي كانت قد أغلقت هذا الباب في حياتها نهائيا، وبدت مظاهر المعاناة عليه فأصبح لا يبالغ في الاهتمام بمظهره ولا يصبغ شعره بانتظام، وفي سبيل محاولته التخلص من المسئولية تحدث مع والديه عن رغبته في الزواج مرة أخرى لكن أمه صارحته أن ذلك سيفتح عليه بابا من المشكلات لأنه لن يجد بكرا ترعى طفليه وسوف يتزوج إما بأرملة أو مطلقة لها أطفال أو فتاة غادرها قطار الزواج وحتى إذا وجد البكر فلن يجد شروطه فيها كما أن الطفلين سيعانيان من تربية زوجة أبيهم فعدل عن الفكرة.


وبعد أقل من سنتين كان حاله قد تبدل ليقوم بدور الأب وهو ما أدهش كل من حوله وقامت أمه بالتحدث مع طليقته -دون علمه- عدة مرات لتعود لزوجها وأكدت لها أنه يتحمل الآن جزءا كبيرا من مسئولية الطفلين فطلبت بعض الوقت للتفكير، وتأكدت طليقته من ذلك في السر بسؤال من يخالطونه من الأصدقاء ومن زملائه في العمل وفي النهاية وافقت على الزواج منه مرة أخرى، وصارحته أمه بذلك فلم تسعه الدنيا من الفرح.


وقبل زواجه مباشرة بدأ يصبغ شعره ويحافظ على بشرته ويذهب إلى صالة الألعاب واشترى سيارة جديدة وبعد عودة حياته الزوجية لاستقرارها عاد إلى طريقته كقطار سريع لا يوقفه شيء عن الاهتمام بتفاصيل حياته على طريقته الخاصة.

الاكثر قراءة