رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : خالد فؤاد حبيب

يوميات مذيع مبتدئ(3)

10 مارس 2017
د.حسن على محمد

تنويه : هذه بعض ذكريات إذاعية من أيام ماسبيرو.. حيث أسعدني القدر بإجراء حوارات ومناقشات ومناوشات مع نجوم الثقافة والفكر انتويت مشاركتكم إياها، عشتها وعايشتها حين عملت مذيعا منذ أوائل الثمانينيات وحتى أواخر التسعينيات، يوم أن كان بالوطن مفكرون وعلماء ومثقفون.. ويوم أن كان ماسبيرو مؤسسة فتية، عفية، تقود الحركة الثقافية.

الحلقة الثالثة :
 قلت: من فضلك، أريد الاتصال بهذا الرقم وأمليته، فقالت بصوت رقيق خليك معايا، علي الطرف الآخر جاء صوت وقور.. حازم .. ( آآآلوو )، فقلت: مساء الخير ..
 هو: مساء النور، أنا ( فلان من إذاعة البرنامج العام (، لم أكد أنطق باسم الإذاعة حتي سمعت صوت إغلاق التليفون ( طاااخ ) والتليفون تييييت..توووت..!
لعنت شركة التليفونات،  لم أصدق أن الرجل عبر عن موقفه بإغلاق الخط، فهو علي الأقل يقول أي حاجة أو أية حجة، عييب يعني؛ ولهذا رجحت أن العيب من شركة التليفونات اللعينة، وأن الخط قطع، فعاودت الاتصال به .. بعد محاولات مع السويتش ..وبعد محاولة أخيرة ، فإذا بي يأتيني صوت غاضب.. اسمع يا أستاذ اكتفيت منكم ... انتم مسطحون .. سطحيون ، أنتم لا تقرأون ..،..، قلت (مقاطعا ): لوسمحت.. ممكن تسمعني..
هو : لأ ..، كفي .. أتعبتموني ..، ولا أريد الحديث في الإذاعة الآن، ولا مستقبلا.  


عقب المكالمة الخشنة، المحبطة، قمت من فوري عائدا إلي المنزل،  أردت أن أستمتع بهواء المساء البارد علي كورنيش النيل، عبرت الشارع باتجاهيه من أمام ماسبيرو مشيا إلي التحرير لأستقل الأتوبيس إلي وجهتي.. مشيت وئيدا، وحيدا، متضايقا، وبينما أنا علي هذه الحالة كنت قد وصلت إلي مواجهة  فندق هيلتون النيل، فكرت في أن أتناول غدائي فولا وطعمية في وسط البلد ( آخر ساعة )، وأختم الوجبة بفيلم في سينما مترو لأبدد حالة القرف بعيدا عن عناد عمنا زكي .. الغاضب من الإذاعة.


غيرت وجهتي وغادرت الكورنيش، عابرا الشارع من أمام المتحف الفرعوني ( المصري )،  قاطعا الطريق إلي شارع محمود بسيوني وهو شارع قصير يربط بين ميدان التحرير إلي ميدان طلعت حرب، مررت بالشارع أتأمل الفاترينات والوجوه، الوجوه كلها عابسة.. لم أجد مصريا يضحك أو مبتسما، قادتني قدماي إلي ميدان طلعت حرب ثم وجدتني أمام مكتبة مدبولي وقد غطي الرجل معظم الرصيف بالكتب والصحف، أشبه بكرنفال ثقافي رائع، كنت أقول دائما إن مدبولي أكثر تأثيرا من وزارة الثقافة، هو مخلص لتجارته، حريص علي أناقة ما يصدر عنه من كتب، قارنها بمطبوعات وزارة الثقافة ..شتان


وقفت مدة طويلة أتجول بين الكتب التي علي الأرض والتي في الفاترينة، جاء الحاج مدبولي بجلبابه الفضفاض ولكنته الصعيدية، أردت مشاغبته، أنت معطل الرصيف يا حاج، لم الكتب شوية، دع مساحة للمارة، نظر إلي بعينين سوداوين واهنتين ثم قال- بصوت هادئ-: خليك في حالك يا أستاذ، بتدورعلي كتاب معين؟ قلت : نعم ، قال: عربي ولا انجليزي ؟ قلت : عربي ..قال : لمين ؟ زكي نجيب محمود ، قال : اذهب للأستاذ ( فلان )، فذهبت إليه، أشار إلي كتاب جديد ، قائلا :  لقد وصل توا، رمقت الغلاف فوجدته  (تجديد الفكر العربي )، نقدت الرجل ثمن الكتاب دون تردد فطارت سينما التحرير، لم يتبق معي سوي ما يكفي وجبة الفول بآخر ساعة، الله يخرب بيتك يا دكتور زكي عكننت عليَّ هذا اليوم من صباح ربنا وختمتها بالزفت كتابك


 تأملت الكتاب، قلبت صفحاته في طريقي إلي مطعم آخر ساعة، شغلني من أول صفحة، عباراته حادة، جادة ، واضحة، أزعجني موقفه من التراث العربي، طويت الكتاب، قلت لنفسي : رويدك حتي تعود،  ثم في المنزل نكمل القراءة.


 ما إن وصلت إلي الوكر! صومعتي، أقصد غرفتي في شقة العزوبية حتي استلقيت في سريري، شرعت فورا في التهام الكتاب فوجدت عمنا الدكتور زكي يعاني من حيرة تنازعته بين الأصالة والمعاصرة بين تراث لا يعرفه وعلوم العصر الغربية التي نهل منها حتي ارتوي،  لكن عقله الفلسفي اليقظ لم يستطع أن يجد جوابا لسؤال ألح عليه كثيرا، وهو: كيف يمكن للعالم العربي أن يجمع بين التراث والمعاصرة ؟


زكي نجيب محمود ، في كتابه تجديد الفكر العربي ..، يعترف بأنه متعصب للثقافة الغربية، وأنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بترا وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علما وحضارة ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم ، يقول الدكتور زكي: (بل إني تمنيت عندئذ أن نأكل كما يأكلون، ونجدُّ كما يجدُّون، ونلعب كما يلعبون، ونكتب من اليسار إلى اليمين كما يكتبون، على ظن مني آنذاك أن الحضارة وحدة لا تتجزأ، فإما أن نقبلها من أصحابها– وأصحابها اليوم هم أبناء أوربا وأمريكا بلا نزاع– وإما أن نرفضها، وليس في الأمر خيار بحيث ننتقي جانبا كما دعا الداعون إلى الاعتدال).


أثار الرجل إعجابي بصدقه وصراحته، بل ومواجهته لنفسه فأفصح عن الدافع الخفي لهذا التعصب وهو إلمامه الكامل بالثقافة الغربية، وجهله الكامل بالتراث العربي، وهنا لست أقصد الإساءة للرجل بكلمة ( جهله بالتراث ) بل تلك كلماته التي قالها لي صراحة بعد أن توطدت العلاقة بيننا، رحت طوال الليل أتنقل بين صفحات الكتاب وألتهم ما بها إلي أن غلبني النعاس، نمت كما لم أنم في حياتي وصحوت سعيدا، نشيطا، ضحكت من نفسي حين ضبطتُني نائما بكامل ملابسي منذ ليلة أمس، هرعت إلي الحمام، الدش البارد جميل، ارتديت ملابسي، أسرعت إلي السنترال واتصلت بالدكتور زكي.

الاكثر قراءة