رحلة الطلاق الشفوي.. صراع انتهى بالإلغاء في المغرب(1–3)

2 مارس 2017

كتب - شريف بديع النور:

عام 1884 أصدر مجلس النظار قرارا باستبدال الميض الموجودة بالجوامع بصنابير مياة، لاستخدام المياة النقية في الوضوء بدلا من "الطاسة" والزم المجلس وزارة الأوقاف بتحمل تكاليف توصيل شبكات المياه الحديثة والصرف الصحي للمساجد في عموم القطر المصري وهو القرار الذي عممته سلطات الاحتلال الإنجليزي فيما عرف وقتها بالمنشور رقم 68 لسنة 1881.

وقتها وعلى الفور ظهرت حركة معارضة شديدة لاستخدام مياه "الصنابير" في الوضوء، ثارت نقابة "السقايين"، وهي نقابة قوية كبيرة، فهذا يعني قطع أرزاقهم، واختلف الناس في حكم الوضوء من الصنبور فلجئوا لمشايخ المذاهب الأربعة ليسألوهم عن حكم الوضوء بالصنبور.

الجمهور، متمثلا في الشافعية، وهو المذهب الغالب في الدلتا، والمالكية، وهو المذهب الغالب بين أهالي الصعيد، والحنابلة، أفتوا بعدم جواز الوضوء بماء الصنبور، فالقاعدة الفقهية المستقرة تقول ان الوضوء لا يصح إلا بالماء القراح، وهو الماء الذي لم يخالطه شيء، بينما يضاف على ماء الصنبور الكلور وغيره من المواد المطهرة وبالتالي فالوضوء به غير جائز، فماء الصنبور، حتى وإن كان طاهرا، إلا أنه لا يجوز تطهير غيره به.

أما الحنفية، منفردين، فأجازوا الوضوء بماء الصنبور، فهم رأوا أن الماء الطاهر إذا خالطه شيء طاهر كالكلور أو الزعفران أو الصابون لا يفقد صفته ويجوز الوضوء به، رغم أن الجمهور رفض الوضوء بالصنبور رفضا قاطعا، إلا أن أغلب الناس في عموم بلاد المسلمين الآن يتبعون المذهب الحنفي، ومن أجله أطلق على الصنبور اسم "الحنفية"، لأن من يستخدمه هو متبع للمذهب الحنفي الذي أجاز منفردا الوضوء بهذا الماء.

اليوم، وبعد 136 سنة من هذا الخلاف الفقهي هل تسأل نفسك قبل الوضوء بالحنفية إن كان وضوءك صحيحا أم لا؟ هل تسأل نفسك لماذا سموها "حنفية" أصلا؟ سأعود لإجابة هذا السؤال في نهاية الحلقات..

في البداية هذا المقال لا يقدم اجتهادا أو رأيا فقهيا، كاتبه أقل بكثير من ذلك، المقال يقدم تجربة دارت في مكان آخر، ورؤية مجتمعية نتيجة تجربة سابقة مع نفس المجتمع، كل الإحترام للأزهر الذي أشرف بالإنتماء إليه في الأساس، وما أقدمه لا يعترض مع الأزهر أبدا..

المملكة المغربية من البلاد العربية الاسلامية التي ألغت الطلاق الشفوي، لي كثير من الأصدقاء المغاربة من جيلي، عندما سألتهم عن الطلاق الشفوي قالوا لي أنه غير موجود، هو غير موجود قانونا ولكن هل يقوم به الناس بحكم العادة؟ غالبية الناس تعرف أن الطلاق يستلزم الذهاب للمحكمة، أعود فأسأل.. هل اعترض الفقهاء على اصدار القانون؟ تأتي الإجابة أن المجتمع توافق على القانون منذ فترة طويلة ولا توجد اعتراضات فقهية عليه.. زرت المغرب كثيرا ولي فيها أصدقاء كثر كلهم يعتبرون أن الطبيعي في الطلاق الذهاب للمحكمة، لم أجد معلومة منشورة في السنوات الأخيرة تتحدث عن خلاف فقهي حول ذلك، لم أجد فقيها حتى يبدى ولو اعتراضا على ذلك، كان البحث عن معلومة تخص ما حدث أمرا صعبا وتوجب مني العودة للوراء، للفترة التي طرح فيها الموضوع، فقط لأدرك أن ما يبدو هادئا الآن يعكس معركة شديدة دارت فيما مضى.

عام 1999 بدأت المعركة بخطاب ألقاه الوزير الأول " رئيس الوزراء " وقتها الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، بفندق هيلتون الرباط تحدث فيه عن خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، بعدها بأيام خرجت تظاهرة أمام نفس الفندق اعتراضا على الخطة، كما أصدرت رابطة علماء المغرب بيانا ضد المشروع ، كما أصدرت رابطة علماء خريجوا دار الحديث الحسنية بيانا وصفت فيه المشروع بالغير سليم وقالت أن على المغاربة المؤمنين والمؤمنات أن يتوخوا "الحذر من غوائله وسيئ عواقبه" أما رابطة كاتبي العدول " رابطة المأذونين الشرعيين" فأصدرت هي الأخرى بيانا "رفضت ما في الخطة، ودعت إلى تشكيل لجنة وطنية يكون على رأسها علماء متخصصون في الشريعة والقانون، وتضم كل الفعاليات الوطنية ذات المروءة.. يكون الهدف منها تتبع حركات هذا المخطط ومتابعة التصدي له بكل الوسائل الممكنة" حتى أن بعض الجمعيات النسوية رفضت القانون وشكل الرافضون ما سمي بـ " الهيئة الوطنية لحماية الأسرة المغربية" والتي بدأت في جمع التوقيعات على عريضة شعبية رافضة للقانون جمعت حوالي مليون ونصف توقيع وأعلن الرافضين للقانون أنهم يسعون لجعل الكلمة العليا للشريعة الاسلامية.

12 مارس عام 2000 كان يوما فاصلا، دعا المؤيدون والمعارضون لمظاهرات حاسمة ، اختار المؤيدون أن تكون تظاهرتهم في الرباط العاصمة السياسية للمملكة المغربية، أما المعارضون فاختاروا الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمغرب، وصل عدد المشاركون في المظاهرة المعارضة لحوالي 2 مليون شخص، بينما كان من وقفوا في الجانب المقابل لا يتجاوز عددهم المئة ألف شخص فقط، هنا كان على الملك الشاب الذي تولى عرشه منذ فترة قصيرة أن يتدخل، فأمر الملك محمد السادس في 2001 بتشكيل " اللجنة الملكية الاستشارية لمراجعة مدونة الأسرة" وأعطاها مهلة عامين لإعداد قانون شامل يخص المرأة والأسرة معا، تدخل الملك كان حاسما، واختيارات اللجنة كان موفقة، حتى تغييره لرئيس اللجنة كان موفقا، عندما رأى أن السيد إدريس الضحاك لا يحقق ما أراده من نقاش مجتمعي موسع أقاله وعين الأستاذ محمد بوسته الزعيم السياسي لحزب الاستقلال وقتها وهو أحد أكبر الأحزاب المغربية رئيسا للجنة.

بدأت اللجنة حوارا مجتمعيا وسياسيا مع جميع الهيئات والتيارات والمنظمات الدينية والسياسية والنسوية، استمعوا للجميع، وغيروا الخط العام للقانون من مقترح يركز على الحقوق الفردية للمرأة في معزل عن الآخرين لقانون يستهدف تحقيق مصلحة الأسرة مجتمعه، كما فتحت اللجنة باب الاجتهاد الفقهي ، فالشريعة فيما يخص الزواج والطلاق هي الأساس، وكان الاجتهاد جماعيا دون التقيد بمذهب واحد حيث كان المشرع المغربي مقيدا بالمذهب المالكي فقط، بالمناسبة ، شهدت اللجنة نقاشات عنيفة واحدة، وصلت لحد تبادل التهم والشتائم، ، وبعد انتهاء أعمال اللجنة بمرور العامين اللذين حددهما الملك، قدمت تقريرها له في الثاني عشر من سبتمبر 2003 حيث قام بمراجعته ليخرج في الشهر التالي بخطاب كان سببا في تغيير عميق في المجتمع المغربي.. قصة الخطاب في مقال لاحق..

الاكثر قراءة