شيوعيون.. ولكن مليونيرات

3 مارس 2017
سليمان الحكيم

في مثل هذه العواصم التي تشبه بلجراد اليوغوسلافية، تنهمر عليك الأسئلة من كل اتجاه، ولا تجد لها إجابات، ليس لأنه لا يوجد من يقدمها لك، بل لأنه لا يوجد من يفكر فيها أو يملكها، "بلجراد" كلمة من جزءين "بل" تعني الجميلة و"جراد" تعني البلد أو المدينة، وهي كذلك بالفعل، رغم أنها شيوعية الطابع، بل لعلها كذلك لأنها شيوعية الطابع، ناهيك عن جمالها الطبيعي الذي خصها بها رب المدن ورب الناس، فهي أشبه بالغابة التي تشقها الطرق الفسيحة، والبنايات الشاهقة، لا تجد فيها أي مظهر من مظاهر الفوضى التي تجدها في المدن المزدحمة

هي مدينة أوروبية الطابع والطبيعة، لا تختلف في ذلك عن أي مدينة في غرب أوروبا أو شمالها، صحيح الشوارع أوروبية الطابع، ولكن الناس فيها شرقيو الطباع، أشبه ما يكونوا بالأتراك، فهي مدينة تركية السكان بعاداتها وتقاليدها، ولكنها أوروبية الجو والهيئة، لا يزال "الدينار" هو عملتها الرئيسية منذ الاحتلال التركي الذي استمر بها لقرون طويلة، لم يتخلص اليوغوسلاف من اسم عملتهم التركية بعد، ولا من العادات التركية نفسها، يوغوسلافيا تعني في اللغة السلافية "العبيد المتحدون" "سلاف" هو اسم العبيد في معظم اللغات الأوروبية الحديثة، وهو اسم على مسمى لأنهم لا يزالون عبيداً لماضيهم، من أول التعامل بالدينار التركي وانتهاء بملابسهم الشعبية تركية الطابع، ورغم أنهم لا يزالون– حتى منتصف الثمانينيات حين زرتها– شيوعيي المذهب إلا أنهم مليونيرات، نعم شعب من المليونيرات، تشعر بذلك منذ أن تطأ قدماك أرض مطارها في العاصمة بلجراد، وحتى ركوب الطائرة مغادرها

حين وصل بي سائق التاكسي إلى الفندق الذي قصدته للإقامة به، سألته عن قيمة الأجرة، فقال لي بالإنجليزية "عشرة مليون"، حين سمعت هذا الرقم اعتبرته نوعاً من المزاح على الطريقة اليوغوسلافية، ولكن وجه الرجل وطريقة نطقه للمبلغ لم تكن توحي بأي مزاح وبأي طريقة، فكررت عليه السؤال ليكرر إجابته التي أزعجتني وأدهشتني في أن  رقم "العشرة مليون" لم أسمعه طوال عمري لدى أحد من معارفي فما بالك أنه أصبح ديناً عليّ الآن وعليّ أن أدفعه،

دخلت إلى الفندق وذهبت من فوري إلى موظف الاستعلامات الجالس على "الكونتر"، وطلبت منه أن يحاسب سائق التاكسي بعد أن سلمته جواز سفري وحقائبي، بل قبل أن أسأله عن وجود غرفة لي للإقامة، ذهب الرجل ثم عاد فبادرته بالسؤال ملهوفاً كم أعطيته بالدينار؟ فقال: "عشرة مليون"، فسألته وكم يساوي هذا المبلغ بالدولار الأمريكي. فقال: عشرة دولارات، هو إذن مبلغ بسيط، يساوي عشرة جنيهات مصرية في ذلك الوقت، لماذا إذن الحديث بالملايين إذا كان المبلغ لا يساوي شيئاً، هكذا هي قيمة عملتهم التي كانت تشبه قيمة الجنيه عندنا الآن بعد تعويمه، تذكرت أن قيمة العملة الإيطالية بالليرة قريبة الشبه بالعملة اليوغوسلافية، وبالمناسبة فإن الليرة الإيطالية هو اسم العملة الفينيقية قديماً، فالفينيقيون احتلوا جنوب إيطاليا وساحل المتوسط كله وتركوا للطليان اسم العملة قبل أن يخرجوا ويتركوا لهم أيضاً كثيراً من أسماء مدنهم الشهيرة، بما فيها العاصمة "روما" ذاتها، "إرم" ذات العماد بمعنى مدينة الأحجار، يالله

.. مازال التاريخ يحكم الجغرافيا التي هي مجرد عجينة في يد التاريخ، هكذا أصبحت أنا العبد الفقير مليونيراً بين عشية وضحاها لمجرد أنني أملك مائة دولار أمريكي، وهي تكفي وتفيض لكي أصبح من أغنى المليونيرات في هذا البلد الشيوعي


بعد أن استقر بي المقام واستلمت غرفتي بالفندق خرجت لأتجول في الشارع، أستطلع وجه المدينة الجميلة، وأثناء سيري وجدت مطعماً صغيراً يبيع ساندويتش الهامبورغر، تقدمت من البائع ثم تذكرت لحم الخنزير، فتوقفت قبل أن أسأل خالد عبد الناصر كيف ينطقون اسم الخنزير، استأذنت الرجل في مكالمة هاتفية وجاءني الرد non sphenia  أي "لا، للحم الخنزير"، وما أن نطقت الكلمة للرجل الواقف على فرن الهامبورغر حتى سألني "هل أنت مسلم؟"،فأجبته بنعم، هنا انقلب الرجل إلى وحش كاسر شاهراً السكين في وجهي قائلاً: أخرج برة المحل، نحن لا نبيع للمسلمين.

الاكثر قراءة