فوزي وثريا.. الحب في الزنزانة.. ناضلا معاً ضد الإنجليز والملك ونجيب وعبد الناصر والسادات ومبارك

7 فبراير 2017

حوار : وليد فاروق محمد
و كانت السجون تتحاكي برسائل غرامها المتبادلة
أرسلت له في السجن قصة رومانسية بعنوان " هذا الرجل أريده " .. ففهم الرسالة وتقدم لخطبتها عام 1946
ثريا شاكر : كان اسمي في خطاباتنا العاطفية " نجفة " .. ومازالت أحفظ سطورها وكأنها نصوصاً مقدسة
فوزي حبشي : عندما شاهدتها لأول مرة كان حبهاً مثل " النار " .. وبعد 70 عاماً مازال لهيبه يشيع الحب في أيامي   
إيشارب أبيض علي حبل الغسيل كان " كلمة السر " بين الزوجين .. فإذا كان منشوراً فهذا معناه " الدنيا أمان " والبوليس السياسي لم يأت بعد
أختارا يوم 13 نوفمبر 1946 لزواجهما لأنه يوافق " عيد الجهاد " .. وفي " الصباحية " عقدت ثريا اجتماعاً مع الخلية الشيوعية السرية في منزل الزوجية ! .
بعد زواجهما بـ6 أشهر تم اعتقال فوزي لمدة عامين.. هي كانت تنتظره وتواصل توزيع المنشورات
كان المهندس فوزي يستخدم طريقة الـ water print في الكتابة علي ورق " بفرة " .. ثم يرسل الخطابات لثريا في سجن النساء عبر " تاجرة مخدرات "
الضابط قال لثريا " مجرد سؤالين في 5 دقائق " ولكنها لم تعد لبيتها إلا بعد 4 سنوات و4 أشهر .. وعندما قابلت ابنتها لم تعرفها
أبناؤهم وأحفادهم شاركوا في ثورة 25 يناير .. ولكنهما قررا النزول وهما علي مشارف التسعين للبحث عن الوطن الغائب في ثورة 30 يونيو
عندما شعر فوزي حبشي بأنه سيموت من التعذيب في المعتقل نزع دبلة الزواج من أصبعه وأعطاه لأحد الضباط قائلاً " أوصله لزوجتي وأولادي .. فهذا هو ميراثي الوحيد "
لم يغيرا شقتهما نهائياً منذ بداية الزواج .. ولذلك كل ركن فيها يحمل ذكري لا يمحوها الزمن
أجمل أيامهم عندما تجتمع الأسرة في " البيت الكبير "  .. وقد اتسعت لتضم حالياً أولاد الأحفاد



“عزيزتي ثريا..انتقلنا إلى أعماق الصحراء على مسيرة ساعة من العمار ، لم يسمحوا لنا بالتجول بعد  ، الغذاء ولو أنه يكلف الدولة سبعة وثلاثين قرشاً ونصف في اليوم الواحد إلا أنه غير معتنى به ، حبيبتي ارسلت لك خطاباً بالأمس وانتظر رده غداً ، أكتبي كلما أمكنك وسأنتظر بشوق وسأتلقاه بفرح " .. هذا هو أول خطاب ارسله فوزي حبشي إلي لزوجته ثريا شاكر من المعتقل بعد اعتقاله في 14 مايو 1948 ، هي ردت عليه باقتضاب " حبيبي أرسل لك مع خطابي طرداً بسيطاً لأننا في أواخر الشهر ..

أنهي خطابي هذا بقبلاتي متمنية أن أراك قريباً لأسعد بالجلوس إليك " ، وتكررت الخطابات طوال نحو 40 عاماً .. حتى بعدما لحقت به هي أيضاً في المعتقل ، ولكن لحظة : هل تعرفون من هو فوزي .. ومن زوجته ثريا ؟ غالباً – للأسف – الإجابة ستكون بـ " لا " ، عموماً .. تعالوا نكتشف قصة حب سيحتفل اصحابها خلال أيام بمرور 70 عاماً علي بدايتها.. ونعدكم بأننا سنجد عندهما ما هو أكبر من مشاعر الدهشة والإعجاب والألم ..فهما " حدوتة مصرية " وأسطورة حية تروي حكاية وطن بكل انتصاراته .. وانكساراته ..  وأحلامه المؤجلة.


 الحب .. والقهر
نبدأ شريط العرض لفيلم إنساني لن تراه سوي عبر هذه السطور .. بسرعة نمر علي لقطات لمظاهرات حاشدة نلمح بين المشاركين فيها شاب تخرج في كلية الهندسة .. بينما تتنقل الكاميرا سريعاً لغرفة يجلس بها مجموعة كبيرة من اليساريين المنضمين لمنظمة سرية في أحد اجتماعاتهم ..وفي المنتصف تجلس شابة رقيقة تكتب سطور أحد المنشورات ، ثم فجأة نجد الاثنين معاً يشاهدان أحد الأفلام الرومانسية ..ويظهر مشهد حفل الزفاف ويتداخل معه إجتماع للخلية السرية في منزل الزوجية في يوم " الصباحية " 

وتمر أيام قليلة ثم نري بعد ذلك الزوج بملابس السجن بينما زوجته الشابة تقف لترجو الضابط ليسمح لها بأن توصل له بعض الأطعمة والملابس ، وبينما كانت تتمني أن يخرج زوجها ..تلحق به هي في المعتقل تاركة وراءها أطفالاً ثلاثة أصغرهم عمرها عام واحد فقط ، وعقابها لم يكن فقط لتمسكها بأفكارها الإشتراكية .. ولكن أيضاً لأنها رفضت تحت أقسى الظروف أن تقايضها السلطة وقتها بحريتها مقابل طلب الطلاق من زوجها كنوع من الإذلال له، وتمر اللقطات سريعاً علي خطابات تقطر رومانسية وحباً بين الاثنين طوال 5 سنوات يتناقلها المساجون السياسيون بطريقة عجيبة حتى تصل إليهما ، وتصل الدراما للذروة بمشاهد تعذيب وإهانة تعرض لها الاثنان مازالت تترك أثارها علي أجسادهم ونفوسهم ، وتمر سنوات طويلة والزوج يقضي أيامه إما في السجن أو هارباً منها ..

هناك عاش تجارب لا تكفي مجلدات لروايتها عن مشاهير وصعاليك وصحف ومسرح واستصلاح أراضي ومنشآت هندسية صممها بالداخل ليتذكره من يأتي بعده ، وذهب الملك ورحل الإنجليز وجاء من بعدهم محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك .. ولكن طريق الزوجين ظل واحداً  .. كلهم جاءوا لكراسي السلطة وذهبوا وبقيت قصة حب فوزي وثريا ، وتأتي ثورة 25 يناير وهما يتكئان علي بعضهما ليودعان ابناءهم وأحفادهم وهم في طريقهم لميدان التحرير ..وعندما تتأزم الأمور نزلا وهما علي مشارف التسعين ليتوها في زحام الغاضبين خلال ثورة 30 يونيو ، والآن .. يجلسان ليقلبا في صفحات آلبوم العمر لكل رضاء عن 70 عاماً عاشاها مناضلان في حب الوطن .. وزوجان مازالا في حالة عشق تعجز الكلمات عن وصفه .
    
أريد هذا الرجل
نعود بشريط الأحداث لبدايته ، ولد فوزي حبشي في المنيا بقرية شارونة عام 1924 وكان والده مزارعاً يفلح الأرض ولكنه صمم علي تحصيل تعليمه حتى تخرج في كلية الحقوق وأصبح محامياً كل مهمته الدفاع عن أبناء قريته الفقراء ، وعاش رغم كثرة قضاياه فقيراً مثلهم حتى فقد بصره ، ولهذا نشأ الإبن منحازاً للفقراء والكادحين وقضاياهم ، وفي عام 1935 شارك وهو تلميذ بالصف الأول الثانوي في مظاهرة ضد الاستعمار البريطاني ،  وكان حاضراً في مظاهرة كوبري عباس الشهيرة عام 1946  ، ومنذ هذا التاريخ زار  معظم سجون مصر من الاستئناف والهايكستب والعزب بالفيوم وسجن مصر إلى جبل الطور وأبو زعبل والقلعة والقناطر وطرة والواحات وغيرها بسبب آرائه اليسارية ، وتكرر ذلك كل الأنظمة التي تداولت على حكم مصر خلال العصر الحديث  من الملك فاروق وجمال عبدالناصر، فأنور السادات ثم أخيرا حسني مبارك عام 1987 ، وتخرج فوزي حبشي في كلية الهندسة جامعة فؤاد الأول - القاهرة الآن - ليلحق بابن عمه المفكر الكبير لويس عوض والذي كان سبقه إلى القاهرة وأصبح معيداً بقسم اللغة الإنجليزية، ثم أنتقل مع اسرته إلى شبرا حيث بدأت علاقته بالشيوعيين وانضم لمنظمة سرية وكانت مهمته توزيع المنشورات والكتابة على الجدران شعارات الحرية والتحرير والهجوم علي الإنجليز

وفي هذا التوقيت شاهد فوزي رفيقة حياته ثريا لأول مرة .. هي مولودة عام 1927 وعاشت طفولة صعبة بسبب كثرة تنقلها من محافظة لأخري نتيجة طبيعة عمل والدها الموظف الحكومي ، ولهذا بعد حصولها علي الابتدائية قرر والدها اخراجها من المدرسة.. وزادت صدمتها بعد وفاة أمها ، فأنتقلت مع شقيقها للإقامة في شبرا عند جدتها بعدما تزوج الأب من أخري وهجرهم للأبد ، وهناك تعرفت علي عائلة فوزي حبشي والذي كان يأتي مع والديه لزيارة جدتها ، وكان يعطيها كتيبات وصحفاً أشتراكية لتقرأها .. وفي إحدي المرات كان معتقلاً  وذهبت لزيارته في قسم شرطة شبرا وأعطته كتاباً رومانسياً لتوفيق الحكيم عنوانه " أريد هذا الرجل " .. ففهم هو الرسالة ، وعندما خرج من سجنه قام بخطبتها علي الفور .


اجتماع سياسي في " الصباحية "
المفاجأة أن ثريا قبل زواجهما بأيام قررت أن تصارح خطيبها فوزي بسر خطير .. فهي أيضاً عضوة في تنظيم شيوعي وهو " حدتو " ، وبالطبع لم يعترض لأنه كان مؤمناً بأفكاره .. وتوجا قصة حبهما بالزواج في 13 نوفمبر عام 1946 .. واختارا هذا التاريخ تحديداً لأنه كان يوافق " عيد الجهاد " .. وهو ما عاشا عليه لسنوات طويلة بعد ذلك ، وكانا وقتها يقيمان في شقة مع أسرته ، ويقول المهندس فوزي حبشي " في يوم الصباحية سمعت خبطات علي باب الشقة وظنت أن القادمين من أهلنا  ..

ولكنني فوجئت بمجموعة من رفاق ثريا في التنظيم يدخلون ليعقدوا اجتماعاً حزبياً عندنا ، وعندما سألتها قالت لي إنهم في التنظيم أقنعوها بأن الاجتماع في هذا اليوم لن يثير شبهات أو شكوك البوليس السياسي  ، وبالطبع تركت البيت حتى لا يحرجهم وجودي لأنني كنت عضواً في تنظيم آخر ، وطبعاً المشكلة الحقيقية كانت عند أمي والتي لم تستوعب فكرة ذلك الحشد من الشيوعيين الذين يجلسون في منزلنا يوم الصباحية بينما أضطر أنا للنزول " ! ، وليت الأمر توقف عند ذلك .. فبعد زواجهما بستة أشهر فقط تم اعتقال فوزي وظل لعامين لا يعرفون عنه أي شيء .. بينما هي تنتظره وتواصل توزيعها للمنشورات ، وتم القبض عليها 5 مرات لكن لأيام قليلة ثم تخرج .


الإيشارب الأبيض
تتذكرون قصة فيلم " الحب في الزنزانة " وحكاية الإيشارب الأخضر الذي كانت تشير به سعاد حسني لعادل إمام عبر أسوار السجن ؟ هنا الحكاية لها تفاصيل مختلفة .. أصبحنا في مارس عام 1959 ووقتها كان الزوجان فوزي وثريا يواصلان نشاطهما السياسي سراً ولكن وسط هدنة بسيطة من المطاردة والإعتقال .. وقد رزقهما الله بثلاثة أطفال .. ممدوح 8 سنوات وحسام 5 سنوات ونجوي عام واحد ، وجاءت الشرطة فجأة للبحث عن فوزي وسط موجة اعتقالات الشيوعيين ولكنهم لم يجدوه .. ولذلك قام بتأجير شقة بإسم مستعار لكي يهرب مؤقتاً ، وكان يذهب لبيته نهاراً ليتغدي مع اطفاله ويجلس معهم ثم يمشي قبل المساء حيث كانت الإعتقالات والمداهمات وقتها لا تتم عبر " زوار الفجر " إلا بعد الثانية صباحاً 

وكانت " كلمة السر " بين الزوجين وقتها هو إيشارب أبيض كانت تنشره علي حبل الغسيل .. بالتالي عندما يأتي فوزي ينظر للبلكونة قبل الصعود وإذا وجد الإيشارب منشوراً فهذا معناه أن " الدنيا أمان " ويصعد ، وفي يوم مشئوم جاءت قوة كبيرة من البوليس وكالمعتاد بعثروا كل مكونات المنزل بحثاً عن أى شيء ، كانوا يمزقون المراتب ويكسرون أدراج المكاتب ليبحثوا عن فوزي .. هكذا قالوا ، وفي النهاية طلبوا من ثريا أن تأتي معهم لأنها مطلوب القبض عليها ، تقول ثريا شاكر " أول ما جاء في تفكيري وقتها ليس فقط أبنائي الصغار والذين كانوا نائمين مع جدتهم والدة زوجي .. ولكن أيضاً ذهبت للبلكونة بحجة أنني أريد " لم الغسيل " قبل رحيلي معهم .. بينما كان هدفي إزالة الإيشارب الأبيض لأنهم كانوا سينتظرون فوزي حتى يأتي في اليوم التالي  "


شهادة مناضلة للتاريخ
وعندما وصلنا للمحطة الأكثر ألماً .. ترك المهندس فوزي حبشي لزوجته المجال للحديث أولاً ، صمتت قليلاً وبذاكرة حديدية قالت " يوم 27 مارس 1959 لا ينسي .. سألت الضابط بمنتهى البراءة هل هو اعتقال حتى أحضر شنطة ملابسي ولكنه أكد لي أن الموضوع كله مجرد " سؤالين في 5 دقائق | ثم سأعود لبيتي .. والغريبة انى صدقت ونزلت معه ولم أعد إلا بعد 4 سنوات و4 أشهر ، تخيل تركت أطفالي ومنهم رضيعة .. وزوج هارب لا أعلم عنه شيئاً ، كل ذلك فقط لأنني كنت أوزع منشورات أطالب فيها بالعدالة الإجتماعية ، ومنذ اللحظة الأولي اكتشفت أنني سأعيش أياماً سوداء عندما وجدتهم يضربون إحدي السجينات ..

في البداية بكيت ولكنني لم أسامح نفسي حتى اليوم علي لحظة الضعف الإنساني هذه ، كنا فى شهر رمضان وفى ساعة الافطار وجاءت عربة الترحيلات وذهبنا من قسم الموسكي الى سجن النساء بالقناطر ، مازال المشهد أمام عيني كأنه اليوم .. عنبر به 7 سرائر وكل سرير مكون من 3 أدوار بدون مراتب ، وكل كل يوم يعني معركة جديدة  .. مرة لكي يوفروا لنا بطاطين ومرة بسبب نظافة المياه ، ثم بدأنا نتأقلم على الوضع .. وكنا محرومين من قراءة اى شيء  ..

لا كتب ولا جرائد ولا مجلات ، وفي مرة قمنا بإعتصام  .. ولم يتعرض لنا الضباط ولكنهم تركوا علينا المسجونات الجنائيات بأجسامهم الضخمة ليضربونا ويجرجرونا الى العنبر ,  قائمة الممنوعات كانت كثيرة .. حتى الاشغال اليدوية كانت ممنوعة ، فقط يسمح لكل سجينة بتحويل 2 جنيه شهريا على الكانتين بينما النقود غير مسموح بتداولها داخل السجن .. فكانت العملة التى نتعامل بها هى السجائر ، وفكرنا فى ملء أوقات الفراغ فى التمثيل وعملنا اكثر من مسرحية كان بعضها من تأليف واخراج انتصار خطاب ، وبعد 4 أيام من اعتقالى جائتنى أول رسالة من فوزى رغم كل التضييق الشديد .. ورغم سعادتي بأنه مازال حراً طليقاً ولكنني تضايقت لأنه كان يخبرنى بتفكيره في إغلاق البيت وإيداع إطفالنا عند أحد اقاربنا لانه لا يوجد ما يوفره لهم فى هذه الفترة ولا يعرف كم من السنوات سنظل هكذا ، وكانت والدة فوزى تعيش مع الاولاد فكتبت رسالة بمنتهى السرعة ورفضت الفكرة من اساسها فيكفى الاولاد حرمانهم من والديهم , فهل نحرمهم ايضا من بعضهم ومن بيتهم ، وفي يوم 25 مايو 1959 اعتقلت الفنانة القديرة انجى افلاطون وجاءت لى بخبر اعتقال فوزى لتكتمل مآساتنا 

ومرت الشهور الطويلة الى أن جاء أكتوبر 1962 ونادوا على 6 معتقلات للإفراج وهن " ليلى الشال ، ليلى عبد الحكيم ، ليلى شعيب ، إنتصار خطاب ، إجلال السحيمى ، والفنانة محسنة توفيق " ، واعتقدت أن الدور سيأتي علي .. ولكنني انتظرت نحو عامين أقاسي حياة صعبة .. وفى يوم 24 يوليو 1963 أفرجوا عني بلا مقدمات .. تماماً كما سجنوني بلا محاكمة  .


وجع القلوب
المعاناة كلها التى شهدتها ثريا في هذه التجربة لا تساوي هذه اللحظة .. قبل الإفراج عنها بفترة استدعاها مأمور السجن إلي مكتبه .. وهناك شاهدت طفلة صغيرة عمرها 5 سنوات جالسة على كرسي فأعتقدت أنها ابنته ، ونظرت إليها سريعاً بدون أهتمام ثم سألته " أنا عملت حاجة ؟ " .. فظل صامتاً لفترة وقال لها " أتعرفين هذه الطفلة؟ " ..  وكانت المفاجأة أنها ابنتها نجوي التى تركتها وعمرها عام واحد فقط .. وعندما كانت تصف لنا ثريا شاكر هذه اللحظة كانت عيناها تلمع بالدموع وكأن ما حدث كان بالأمس فقط وليس منذ 53 عاماً ،  حتى المأمور تساقطت الدموع من عينيه وقال لها انا كإنسان لم أستطع منع هذه الزيارة رغم مخالفتها للقوانين واللوائح ، أما ثريا فقد اصابتها وقتها صدمة وفرحة هيستيرية جعلتها تصرخ من اللوعة والألم وهي تحتضن ابنتها والتى اصبحت الآن أستاذة جامعية مرموقة ، والعجيب أنه بعد أسبوع من هذا اللقاء وجهت لها إدارة السجن تهمة رؤية ابنتها بدون أذن ، تقول " مازلت أذكر دفاعي عن نفسي وقتها .. قلت لهم إن الأم القاتلة وتاجرة المخدرات والمنحرفة يسمح لهم بالزيارة أما نحن فلا .. ألا تخجلون ؟ " .


وهنا يتدخل المهندس فوزي في الحديث ويقول : بعد القبض علي كانت والدتي تعيش مع الأبناء ، أما عن نفقاتهم فقد تكفل بها المهندس رمزي شاكر شقيق ثريا وآخرون كثيرون، وعلى سبيل المثال أحد زملائي المهندسين الذي كان يحضر للأولاد ملابس في كل الأعياد رغم أنه كان يختلف معي سياسيا تماما ، وكان لي صديق إسمه عبد الرازق حسن أعتقل لبضعة أشهر ثم خرج ورأس البنك الصناعي ، وكان يمر على الوالدة كل أول شهر ليعطيها مبلغا من المال مؤكدا أنه قد إستلفه مني قبل الإعتقال .


معتقل كل العصور  
في عام 2005 أصدر فوزي حبشي كتاباً رائعاً اسمه  "معتقل كل العصور"  رصد خلاله ما شاهده في 11 سجناً قضي فيهم سنوات طويلة خلال فترات متقطعة في عهود مختلفة .. ولكنه يتوقف كثيراً عند عهد جمال عبد الناصر والذي يراه " عظيم المزايا وعظيم الخطايا " .. فرغم مواقفه الرائعة انجازاته الضخمة لكنه – حسب توصيفه – كان ديكتاتوراً ، يقول " رغم معارضتي لعبد الناصر لكنني لم أحب حاكماً مثله .. فقد نزلت أنا وثريا مع الجماهر العظيمة يومي 9 و 10 يونيو 1967 لنطالب بعودته عن قراره بالتنحي عن السلطة ..

رغم أنني قبلها كنت في المعتقل ومن بعدها عدت إليه  ، وقد مررت طوال 40 عاماً علي معتقلات الهايكستب وجبل الطور والقلعة والقناطر وسجن مصر والعزب بالفيوم والواحات الخارجة وأبي زعبل وطرة، وذلك في عهود الملك فاروق والرؤساء جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك .. ولكن أكثر هذه التجارب قسوة كانت في عام 1959 بالتزامن مع فترة اعتقال ثريا ، وتعرضت وقتها لتعذيب مازالت أثاره علي جسدي .. فأنا قدمي اليسري أكثر نحافة من اليمني بسبب ضربات الكرباج .. وفي إحدي المرات كانوا يستجوبونني لكي أكشف عن اسماء أفراد التنظيم ، جردوني تماماً من ملابسي واستعملوا الكرابيج والعصي والشوم وجريد النخيل في ضربي حتى غطت الدماء جسدي ووجهي .. وقتها شعرت بأنني سأموت فنزعت دبلة الزواج من أصبعي وأعطيته لأحد الضباط وقلت له " أوصله لزوجتي وأولادي ..

فهذا هو ميراثي الوحيد الذي سأتركه لهم " ، وجاؤوا بكيس ملح وأذابوه في جردل ماء ثم ألقوه علي وسط آلام لا يمكن وصفها ، ورب ضارة نافعة .. فرغم الألم لكن هذا الملح ساعد الجروح علي الإلتئام ، وسنوات السجن لم تكن كلها تعذيب .. بل هي تجربة ثرية لأنها حياة  متكاملة ، فقد بحثت عن شيء يوحِّد السجناء السياسيين المتشاحنين .. فقمت بتصميم ما يشبه المسرح وشاركوا جميعاً في تمثيل مسرحية " عيلة الدوغري "  لنعمان عاشور .

خطابات الغرام
ولكن .. طوال نحو 5 سنوات قضاها فوزي في معتقل الرجال وكانت زوجته ثريا في معتقل السيدات .. هل اقتصرت رسائلهما فقط علي الرسالة الأولي التى أقترح فيها أن يعيش الأولاد عند أقاربهم ثم ردها عليه بالرفض ؟ بالطبع لا .. فهذا الرجل كان – ومازال – مستعداً لتحمل العذاب ولكنه لا يتحمل ألا يسمع صوت زوجته ولو حتى عبر سطور رسالة  ، واستخدم حبشي طريقة مبتكرة هي الـ water print، حيث يكتب بقلم خشبي رفيع على ورقة نشاف أو ورق " بفرة " ، وحين تجف تختفي الكتابة فيرسم رسومات هندسية مختلفة للتمويه، وتذهب الخطابات باسم مسجونة جنائية " تاجرة مخدرات " كانت صديقة مقربة لثريا في السجن، وحين تقوم تاجرة المخدرات بتسليم الخطاب إلى ثريا تقوم بتبليله بالماء، فيظهر الخطاب الأصلي،  تقول ثريا شاكر  :  كان ممنوعاً علينا في السجن تلقي أو إرسال الخطابات، لكن استطعت من خلال صداقتي مع إحدى المسجونات أن أتلقى باسمها خطابات ..

وحتى لا يتم اكتشاف الأمر كان اسمي في الخطابات نجفة واسم ممدوح ابني محمود واسم حسام أصبح حسن ونجوى أصبحت عيشة  ، والخطابات المتبادلة بيني وفوزي كان أجملها أيام اعتقاله عام  1948 لأننا كنا تزوجنا قبلها بشهور بسيطة ، وضمت الخطابات أشواقنا وحكايات كل منا للآخر وأخباره،  ومازالت رغم مرور سنوات طويلة أحفظ سطوراً من هذه الخطابات وكأنها نصوصاً مقدسة ، كما كنا نتحايل ايضا للخروج من السجن للعلاج فى قصر العينى .. وهناك كان تبادل الخطابات أسهل ، وفى احدى مرات التفتيش وجدوا عندى بعض الممنوعات وهى عبارة عن خطابات على ورق " بفره " من فوزي ، فكان مصيري إلى " التأديب "


علي هامش الكفاح
فوزي وثريا لم تكن حياتهما موزعة إما علي إقامة السجون أو الهرب منها .. فقد كانت لهما حياتهما العادية خلال فترات ما بين مرات الإعتقال ، فهو أحد ثلاثة مهندسين قاموا بتأسيس نقابة المهندسين المصرية  ، وكان يعمل مهندساً في قسم الانشاءات بمصلحة السكة الحديد .. وله ابتكارات باسمه ولذلك تمت ترقيته سريعاً ، ومازالت انشاءات عبقرية تشهد له حتى اليوم أشهرها محطة بورسعيد للسكك الحديدية ، كما شارك في تصميم محطة الاقصر ، وايضاً عمل مديراً لقسم الديكور بإستديو مصر .. واختتم مشواره الوظيفي في وزارة الكهرباء ، بل وحتى داخل السجن ظل يعمل مهندساً .. فبخلاف المسرح الذي صممه .. قام بتصميم " نافورة " رائعة في ساحة سجن أبي زعبل وكانت مزينة بتماثيل رائعة قام المساجين الإسلاميين فيما بعد بهدمها كما يقول ، أما ثريا شاكر فقد كانت تعمل بشركة مصر للمستحضرات الطبية ..

وكافحت مع زملائها لتأسيس نقابة عمالية فى الشركة لتحسين شروط العمل وجعلها أكثر انسانية ، ولكن المسئولين في الشركة رفضوا عودتها للعمل لمدة خمس سنوات بسبب فترة اعتقالها وظلت تناضل مع زميلاتها سعاد الطويل ونوال المحلاوى فى عمل مشروعات صغيرة لتصنيع بعض المنتجات المنزلية وبيعها فى الأسواق الخيرية، ولجأت للقضاء لكى تعود لعملها حتى اصدر جمال عبد الناصر قرارا بعودة الذين كانوا فى المعتقلات لأعمالهم ، والاثنان استفادا من فترات السجن لتعلم اللغات .. ولذلك يعرفان الكثير من الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والروسية ، يقول فوزي حبشي : بمرور الوقت ومع كبر سني قلت فترات أعتقالي ..

مثلاً في صيف 1979 تم اعتقالي لفترة لسبب غريب .. فقد عثرت الشرطة في بيتي علي خطاب من ابني ممدوح والذي كان يدرس بألمانيا الغربية وقتها مرفقاً به مبلغ 200 مارك– أي ما يعادل 80 جنيهاً – يتبرع بها للشيخ إمام الذي لم يكن له مصدر دخل ثابت سوى تبرعات المعجبين بأغنياته السياسية .. فقبضوا علي بتهمة تلقي تمويل من الخارج للحزب الشيوعي ، وفي 30 مارس 1981 إتهموني بالانضمام لتنظيم شيوعي وأفرجوا عني علي ذمة القضية ..وفي مايو 1986 صدر الحكم عليّ بالسجن لمدة عامين قبل الحصول علي البراءة .. ومنذ 30 عاماً لم أتعرض للإعتقال .. وكأنني طلعت علي المعاش في السجن أيضاً "


وعندما سألتهما عن ثورة 25 يناير 2011 أشادا بها وأكدا أن أولادهم شاركوا بها ، ورغم ظروفهم الصحية لكنهما صمما علي النزول في مظاهرات 30 يونيو 2013 لأن المسألة لم تكن – حسبما يقولان – مجرد إسقاط رئيس بقدر ما هي " معركة بقاء " لوطن .. فقد شعر المهندس فوزي حبشي خلال العام الذي حكم خلاله الإخوان بأن مصر التى ناضل من أجلها 70 عاماً كانت علي وشك الاختفاء لتظهر ملامح وطن آخر لا يعرفه .. ولا ينتمي إليه .


سينما .. وطاولة
ومرت السنوات سريعاً .. 70 عاماً علي زواج فوزي حبشي وثريا شاكر .. ما سبق روياه لي ونحن نجلس في شقتهما بحدائق القبة ، والعجيب في قصتهما إنهما لم يغيرا مسكنهما مطلقاً .. ولذلك كل ركن في هذه الشقة يحمل ذكري لا يمحوها الزمن .. كانا يرويان قصتهما وكأنهما في فيلم تسجيلي .. تشير لي السيدة ثريا شاكر للبلكونة وتقول " هنا كنت أنشر الإيشارب الأبيض لتنبه فوزي إذا ما كان البوليس السياسي بالمنزل أم لا " .. وبكل رومانسية تشير علي لوحة تحمل صورتها وهي شابة بداخل صدفة .. وتقول " هذه الصدفة من جبل الطور وجدها فوزي هناك حينما كان في المعتقل عام 1948 وأرسلها لي في عيد ميلادي مع أحد ضباط المعتقل وكان صديقاً له يلعب معه الشطرنج " ، أما هو فيحب النظر كل يوم إلي بورتريه لهما في صورة حفل الزفاف تخيله الفنان العالمي بهجوري ، كما يفتحر بإمتلاكه للمكتبة النادرة الخاصة بإبن عمه الدكتور لويس عوض بعدما انقذها من الضياع عقب وفاته ..

حيث كادت زوجته الأجنبية أن تتخلص منها بما فيها حتى الأوسمة والجوائز التي نالها د. لويس .. ولكن المهندس فوزي يعلقها بكل اهتمام علي حوائط منزله ، ولم تتبق لفوزي وزوجته سوي الذكريات وهواية تساعدهما فيها ابنتهما وهي الذهاب بشكل متكرر للسينما .. لقاؤهما الأول كان في السينما حينما دعاها لا لتشاهد فيلماً رومانسياً ولكن لكي تحضر افتتاح سينما دار الأوبرا والتى قام هو بتصميمها الهندسي ، وهو مازال يشعر بمرارة بسبب حريقها رغم مرور سنوات طويلة ، وعندما ذهبت إليهما قالا لي إنني قطعت دوراً حامياً في الطاولة .. أحياناً هو يكسب ومرات أخري تتفوق هي .. ولكن هكذا استقر حال المناضلين العاشقين .. هي أحيانا تجلس علي فيس بوك لتنشر صور ذكرياتهم القديمة ، بينما هو يرفض التكنولوجيا تماماً لدرجة أنه لا يملك موبايل أو كمبيوتر .. فقط يتأمل في أوراقه القديمة ليشتم منها رائحة أيام ليتها تعود ، أجمل أيامهم عندما تجتمع الأسرة في " البيت الكبير " 

وقد اتسعت لتضم حالياً أولاد الأحفاد – اصغرهم ثريا وعمرها عام واحد  ، رغم تقلبات الزمن مازالا مؤمنين بأفكارهم اليسارية .. بل وتجد لهما صورة وهما يجلسان في مقر الحزب الشيوعي وفوقهما لافتة مكتوب عليها " الاشتراكية هي المستقبل " .. سألتهما : هل مازالا مقتنعان فعلاً بعد كل هذه السنوات بأن للشيوعية مستقبلاً ؟ فرد المهندس فوزي بثقة : العدالة والحرية ونصرة الكادحين أمور لن يختلف عليها البشر حتى نهاية العالم ، وكما قلت في كتابي .. أنا سعيد بعد ذلك العمر  لأنني لم أغير شيئاً من نقطة انطلاقي الأولى وكنت ومازلت  أبحث عن مجتمع عادل يوفر الكرامة والتعليم والصحة والثقافة لأبنائه بدون تمييز، وسعيد لأن القوة لم تفلح في إجباري على القبول بالظلم، كما أن العمر والأحداث لم ترغمني على أن أتخلى عن أحلامي لنفسي ووطني. لأن التخلي عن الأحلام انتحار وموت .


الحب الخالد  
وقبل أن أودعهما وأيديهما متشابكة تماماً مثل أى شابين في فترة الخطوبة .. سألته : هل شعرت يوماً بأن حبك لزوجتك تأثر بسبب مشواركما الصعب ؟ فرد مبتسماً : بعد 70 عاماً أؤكد لك أن التوافق الفكري وتقارب وجهات النظر هو سر الإنسجام ، وفى المرة الأولي التى شاهدتها كان حبهاً مثل " النار " في قلبي ، وطوال 70 عاماً مازال لهيبه يشيع الدفء والحب في أيامي .. ودماء الحياة في عمري .
أما ثريا شاكر فقالت : الشيوعيون ينادون بعضهم في العالم كله بلقب " الرفيق " .. ولكن لم يشعر بمعناه أحد أكثر مني .. فأنا معي " رفيق العمر " بحق .











الاكثر قراءة